مقالات و محاضرات

 

 

القيام لله أبلغ الموعظة

 

من محاضرات سماحة المرجع الديني اية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله

 

اعتبار نكران الذات مصدر الفضائل

 في ضوء الآية الكريمة :

قل إنّما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكّروا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

قال الله تعالى :

﴿ قُل إنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرادَى ثُمَّ تتَفَكَّرُوا (1)

مقدمة

هذه الآية الكريمة من عجائب آيات الذكر الحكيم، فإنّ الله سبحانه وتعالى يأمر نبيّه صلى الله عليه وآله أن يقول للمشركين ولعبدة الأصنام والنصارى واليهود وغيرهم: ﴿إنّما أعظكم بواحدة﴾ أي لا أطلب منكم سوى الإصغاء إلى موعظة ونصيحة واحدة فقط.

لاشكّ أنّ مواعظ القرآن الكريم كثيرة، بل إنّ القرآن معظمه مواعظ، كما لا شكّ أنّ كلّ ما أتى به الأنبياء والرسل عليهم السلام وما نزل عليهم يتلخّص بالقرآن الكريم، فهو عصارة الرسالات السماوية كلّها، كما أنّ مواعظ النبي صلى الله عليه وآله تختزل مواعظ الأنبياء والرسل الذين سبقوه كافة، إلا أنّ الله سبحانه يطلب من نبيّه أن يلخّص المواعظ كلّها بكلمة واحدة؛ يقول تعالى لنبيه الكريم: ﴿قل إنّما أعظكم بواحدة﴾ و(إنّما) كما هو معلوم تفيد الحصر، أي بموعظة واحدة وحسب.

فما هي تلك الموعظة التي يأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول للمشركين والنصارى واليهود إنّه يعظهم بها وحدها؟ تقول الآية المباركة: ﴿أن تقوموا لله﴾ أي أن يكون قيامكم ونيّتكم وتوجهكم وتفكيركم خالصاً لله. ولا يراد من القيام هنا القيام للصلاة، بل المقصود التفكّر وإخلاص النية، وبتعبيرنا المعاصر نكران الذات والتجرّد عنها في الفكر والعمل، وأن يكون الله تعالى هو الهدف والنية والوجهة، وليس الذات ومصالحها.

الأنسان بطبعه ميّال لذاته

كلّ إنسان ـ في الأعمّ الأغلب ـ يوقّر ذاته ويحترمها ويراها أولى من كلّ شيء، مع أنّ كلّ البلايا والمصائب وكلّ ظلم وتجاوز يأتي من حبّ الذات.

والطامّة الكبرى عندما يؤثر الإنسان ذاته في مقابل الحقّ سبحانه وفي مقابل الأخلاق والمجتمع والفضائل، فأكثر الناس ـ مع الأسف ـ يرى الله ويرى ذاته معه؛ ينظر إلى المجتمع والأخلاق ويرى ذاته معهما؛ ولذلك تراهم في الغالب يسحقون كلّ شيء من أجل ذواتهم.

فالذي يفعل الحرام بأكله الربا أو بظلم الناس مثلاً إنّما يفعل ذلك من أجل ذاته.. فهو يريد لها المال.. يريد لها التقدير والظهور والوجاهة والزعامة وتحقيق كلّ رغباتها ولو عبر الطرق غير الشرعية. فإذا لم يكن الإنسان يرى الله وينكر ذاته تراه يسحق أحكام الله ولا يبالي، ويولّي ظهره لله ولأنبيائه ويتّخذ نفسه إلهاً من دون الله.

ومن هنا كان نكران الذات وحبّ الله أساس كلّ فضيلة، وهذه الآية تلخص هذا المعنى. فكما أنّ الإنسان الذي يحبّ ذاته يرتكب كلّ رذيلة من أجلها،

 كما في الحديث النبوي الشريف :

(حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة)(2)

فكذلك يكون معرفة الله والقيام له ونكران الذات أساس كلّ فضيلة. فمن ينكر ذاته يترفّع عن الرذائل. وإليك بعض الأمثلة على ذلك:

مع الشيخ محمد تقي الشيرازي

كان المرحوم آية الله العظمى الشيخ محمد تقي الشيرازي رضوان الله عليه ـ مفجّر ثورة العشرين في العراق وقائد حركة تحرّره من الاستعمار الإنجليزي وهو في الثمانين من العمر ـ مرجعاً دينياً كبيراً عُرف بالورع والتقوى، حتى أنّ تلاميذه عندما كانوا يُسألون عن عدالته كانوا يجيبون: سلوا عن عصمته وهل هو معصوم أم لا؟ ـ لاشك أنه غير معصوم ولكن التعبير من باب المبالغة ـ . هذا الرجل العالِم الورع كان يفتي بأنّه لا يجوز استئجار غير العادل لقضاء ما فات الميت من صلاة وصيام وإن كان ثقة، بل يشترط فيه العدالة. ولا يخفى أنّ الفقهاء يختلفون في هذه المسألة، فبعض لا يشترط العدالة ويرى أنّ مجرّد الثقة بأنّ الشخص سيؤدّي هذه الصلوات والعبادات يكفي ولا يلزم أن يكون عادلاً، بينما يشترط آخرون - كالشيخ محمد تقي الشيرازي رحمه الله مثلاً - العدالة في الشخص الذي يستأجر لقضاء ما فات الميت من عبادات.

ينقل المرحوم الوالد رضوان الله عليه أنّ أحد المؤمنين جاء يوماً إلى الشيخ محمد تقي الشيرازي وشكا عنده الفقر والعسر وطلب منه أن يحوّل إليه قضاء صلاة أو صوم عن بعض الأموات - فإنّ الورثة والأوصياء يعطونها في العادة للمرجع لكي يحوّلها إلى مَن يراه صالحاً - ولكن الشيخ رحمه الله اتفق أنه لم يكن عنده آنذاك من العبادات الاستيجارية شيء، فاعتذر وقال: لا يوجد عندي الآن. ولما كان الرجل - السائل - قد أضرّ به الفقر وضغط عليه لم يتمالك نفسه فأخذ يسبّ الشيخَ؛ هذا العالِم الورع الذي كان تلامذته يرونه في التقوى تالي تلو المعصوم!

وبعد بضعة أيام جاء للشيخ محمد تقي بعض المؤمنين وأعطاه مالاً لاستئجار مَن يصلّي عن ميّت له. وهنا بادر الشيخ ووجّه أحد الأفراد المقرّبين منه ليذهب بهذا المال إلى ذلك الرجل ـ الذي سبّه ـ  لاستئجاره في قضاء هذه الصلوات!

وهنا تعجّب هذا الشخص الذي هو من أصحاب الشيخ ومقرّبيه وقال: شيخنا، ألستم تشترطون العدالة فيمَن يُستأجر للقضاء عن الميّت؟ قال: بلى، فقال: ولكن هذا الرجل على فرض أنّه كان عادلاً ولكنّه فقد العدالة عندما سبّكم وكلّنا نعلم أنّ سبّ المؤمن حرام، وارتكاب الحرام مسقط للعدالة ـ ولا شكّ أنّه يصدق على الشيخ أنّه مؤمن، فضلاً عن أنّه مرجع تقليد ومضرب المثل في الورع والتقوى .

فتبسّم الشيخ ثم قال: سبّ الفقراء للعلماء غير مسقط للعدالة. اذهب وأعطه المال؛ فإنّه لم يكن ملتفتاً حينما سبّني.

أجل إنّ مَن هيمنت عليه حالة الغضب لا يشعر بما يقول، وخاصة الفقير الذي لا يدري كيف يرجع بلا قوت إلى عائلته، ولا يتوقع بعد لقائه الشيخ العودة لأسرته بلا قوت.

أجل، كلّ هذا صحيح، ولكن لو لم يكن نكران الذات عند الشيخ رضوان الله عليه لما قال إنّ الرجل لم يكن يشعر حين شتمني! خاصة وأنّه غير مستعد لتحمل مسؤولية قضاء صلاة الأموات وصيامهم من أجل فذلكة خلقية، لكنه شخّص أنّ هذا الرجل غير فاسق، وإلاّ لما أعطاه المال لقضاء الصلوات وهو المشترط للعدالة في هذا الأمر.

أمثلة على حب الذات

هكذا فعل نكران الذات. تعالوا الآن وانظروا في الطرف المقابل إلى الرؤساء والحكّام في الدنيا. إنّ شتيمة واحدة توجّهها للحاكم كفيلة بأن تطيح برأسك، أو تعرِّضك للتعذيب، وربّما تعرِّض أبناءك وإخوتك وعشيرتك وأصدقاءك إلى التحقيق والتعذيب والاستجواب بسببها.

فما أكثر الدول التي يصدر حكّامها قانوناً بالسجن ـ لمدة عشر سنوات أو أقلّ أو أكثر ـ لمَن يسبّ الحاكم، وما أكثر الذين يُسجنون بالظنّة والتهمة فيها.

لقد طالعتنا مجلة معروفة أنّ أحد المجرمين الجلاوزة أذاق اثنين من المؤمنين أنواع التعذيب ولمدة شهرين حتى فارقا الحياة، ثم تبيّن له بعد ذلك أنّه كان مشتبهاً بهما!

تصوّر كيف تنقلب المعادلة عندما تصبح الذات هي الحاكمة. إنّ الاحتمال وحده يكفي لقتل الناس وظلمهم! لماذا؟ لأنّ نكران الذات غائب. والذات تقول أنا كلّ شيء. أمّا الذي ينكر ذاته فيقول: الله أكبر وهو فوق كلّ شيء.

نكران الذات مصدر كل الفضائل

إنّ نكران الذات مصدر كلّ الفضائل، ومن ثم لخّص القرآن الحكيم هذا الأمر فقال: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة﴾ أي لا حاجة إلى كلام كثير ومواعظ جمّة بل موعظة واحدة تكفي إن التزمتم بها؛ لأنّها خلاصة المواعظ كلّها.

إنّ مَن أنكر ذاته لا يرجّح الدنيا وملذّاتها على حكم الله تعالى، ولا يعني هذا أن يترك الإنسان الدنيا ويتخلّى عنها؛ فإنّ الله خلق الدنيا للمؤمنين وهم أَولى بها من الظالمين وأعداء الله، ولكن المقصود أن لا تملكهم الدنيا بل يملكوها ويأخذوا منها - من طريق الحلال - ما استطاعوا على أن يكونوا في الوقت نفسه مستعدّين للتخلّي عنها غير آسفين لو دار الأمر بينها وبين الله وأحكامه.

روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه:

 "الزهد مفتاح الآخرة، والبراءة من النار، وهو تركك كلّ شيء يشغلك عن الله من غير تأسّف على فوتها."(3)

والمؤمن الحقّ يلزم جانب الله دوماً كلّما حدثت معارضة بين ذاته وبين الله. قد يجمع المؤمن الملايين من الأموال، ولكنّه بمجرّد أن يشعر أنّ هذا المال قد يؤدي به إلى جهنّم وسخط الله فإنه يترفع عنه ويتخلى عنه بكلّ سهولة ودون أسى ويصرف النظر عنه كلّه. وهكذا الحال مع الأولاد والنساء وأكل الطيّبات و… .

يقول الله تعالى مخاطباً نبيه الكريم في آية أخرى :

﴿قل الله ثم ذرهم (4)

أي قل للمشركين إنّ الله وحده بيني وبينكم، فنظري وفكري كلّه منصرف إليه.

وأكرّر القول إنّ هذا لا يعني أن لا تأكل أو لا تشرب أو لا تملك أو لا تلبّي رغبات بدنك.. إنما المقصود أن لا تكون هذه الأمور معلّقة بقلبك يتوقف لها إن حُرمت منها، تضحّي بكلّ شيء من أجلها وتسحق كلّ خلق وفضيلة في سبيلها، بل أن تكون مستعدّاً للتضحية بكلّ ما تملك من أجل الله تعالى والقيم والفضائل.

مثنى و فردى

يوصينا الله تعالى: وليكن قيامكم لله مثنى وفرادى. أي ليكن توجّهكم إلى الله ونكرانكم لذواتكم سواءً حال كون بعضكم مع بعض، أو بصورة انفرادية، كأن يجلس أحدكم وحده، في جوف الليل مثلاً، ويفكّر ولو قليلاً، ويتساءل مع نفسه: مَن أنا؟ أنا لا شيء وليس عندي شيء، وكلّ ما عندي فهو من الله، لم أكن أملكه يوماً، ثم ملّكني الله كلّ ما أملك. وسأعود مع كلّ ما أملك إلى الله مرّة أخرى:

﴿إنا لله وإنا إليه راجعون (5)

واقعة فيها عبرة

لقد شهدتُ هذه القصة بنفسي وتركتْ أثرها فيّ حتى لكأنّي أرى الحالة أمامي الآن!

كنّا جالسين على مائدة للغداء أيام كنا في كربلاء المقدّسة، وكان يجلس شخص إلى يساري وآخر إلى يميني.

وضع الشخص الجالس عن يساري لقمة من الطعام في فمه - وكان خبزاً مع الكباب المشوي - وشرع يلوكها ثم يحضّر لقمته الثانية، حيث لفّ مقداراً من الكباب مع الخبز، ولمّا همّ برفعها إلى فمه، عندها لاحظنا يده قد سقطت تلقائياً في حجره ثم مال إلى الأرض صريعاً. عندما هرع الجالسون ليعرفوا ما الذي حدث له، رأوه قد فارق الحياة إثر سكتة قلبية، وكانت اللقمة الأولى مازال قسم منها في فمه، فأخرجها بعض الجالسين بصعوبة من بين أسنانه. وفارقَنا الرجل وفارق الدنيا منذ ذلك اليوم وإلى يوم القيامة.

أنا لا أنسى هذا المشهد ما حييت، وكلّ مَن كان بمكاني قد لا ينساه أيضاً، ولكن عندما يأتي وقت المعصية ينسى الإنسان كلّ شيء!

العمل بالأية

الآية الكريمة تدعونا إلى التذكّر والتفكّر دائماً مثنى أي مع بعض، وفرادى أي إذا خلونا بأنفسنا خاصة إذا هدأت العيون. فليفكّر كلّ منا مع نفسه ويقول: مَن أكون لكي أظلِم أو أوذي الناس أو أفعل المحرّمات؟ ثم إلى ماذا سيكون مصيري؟ أين أبي وجدّي وأقربائي وأصدقائي الذين عاشرتهم ثم مضوا؟ فهل سأبقى أم سأرحل مثلما رحلوا؟ فهل كُتبَ الموت والحساب لهم دوني أم كلّنا ملاقٍ هذا المصير؟

هذا التفكير هو خلاصة مواعظ القرآن الكريم.

وحقاً إنّ مَن يصبح عنده وجدان كهذا - أي يجد هذا الشيء من نفسه - ويفكّر بهذه الصورة قد يستحيل أن يقدم على المعصية. وهل مصدر المعصية والظلم إلاّ حب الذات؟! فالذي يتّخذ هواه إلهاً من دون الله تعالى فإنّ ذاته تهمّه قبل كلّ شيء ولا يكترث إن عصى الله في هذا السبيل أو غيره، فالمهمّ عنده توقير ذاته و تلبية رغباتها وتحقيق احترامها! أمّا الإنسان المنكر لذاته فهو يرى الله تعالى أمامه.

يقول الإمام الحسين سلام الله عليه  مخاطباً ربه تعالى:

(عميت عين لا تراك) . (6)

العين التي ترى الله ـ المقصود عين البصيرة ـ لا تعصيه أبداً.

ويقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه:

(والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته). (7)

فمع أنّ هذا الأمر – أي سلب النملة- ليس معصية، ولا يقول فيه فقيه إنّه عمل محرّم بحيث إنّ الشخص العادل يفقد عدالته لو ارتكبه، ومع ذلك يقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه إنّه غير مستعدّ لارتكابه حتى لو أُعطي الدنيا كلّها!

لقد عرض القوم على الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أن يوافق على السير بسيرة الشيخين، لكي يعطى الخلافة، وكان يمكنه أن يقبل بذلك ابتداءً ثم يضرب به عرض الجدار بعد استلامه الخلافة، ولكنه سلام الله عليه رفض عرضهم وفضّل أن تخرج الخلافة من قبضته - لا بل فلتذهب الدنيا كلّها ويصبح العالَم كلّه ضده- ولا يتخلّى عن مبادئه، وهل هذا إلاّ بسبب نكرانه لذاته؟!

الخلاصة

إنّ التوجّه لله أهمّ من كلّ شيء.

النقطة التي تجبرك على أن تتوجّه في صلاتك، وتمنعك عن أكل الحرام، والنظر الحرام والاستماع الحرام والنطق الحرام وظلم الناس وإيذائهم، والتي ركّز عليها القرآن هي ﴿أن تقوموا…﴾ فهذه نقطة أساسية يجب علينا الانتباه إليها أكثر من أيّ عمل مستحبّ أو خلق مستحبّ آخر، لأنّها جامعة لكلّ الفضائل.

أسأل الله التوفيق لي ولكم.

وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

 


([1]) سبأ: 46.

([2]) إرشاد القلوب للديلمي: 21، باب الزهد في الدنيا.

([3]) مصباح الشريعة للبلخي: 22 - 23، عنه بحار الأنوار: 67 / 315.

([4]) الأنعام: 91.

([5]) البقرة: 156.

([6]) بحار الأنوار: 64 / 142. دعاء الإمام الحسين سلام الله عليه يوم عرفة.

([7]) نهج البلاغة: 346 (ط: منشورات دار الهجرة - قم). 

ألقيت المحاضرة عام 1421 هـ، في قم المقدسة، ضمن المحاضرات الأخلاقية التي كان يلقيها سماحته على طلاّب العلوم الدينية.