قطار المصالحة الأخير

 

جابر حبيب جابر

 

ربما يكون مشروع المصالحة الوطنية الفرصة الاخيرة كحل سياسي لمعضلة الامن والاستقرار ولعدم انخفاض بل تعاظم منسوب العنف، بعدها اذا ما فشلت سنكون امام احد خيارين، اما ان يتجه العراق الى حكومة مركزية قوية تضع ترف المشاريع السياسية جانباً وتلجأ الى اظهار يد الدولة القوية التي الفتها عقليتنا وسلوكنا الجمعي، او ان نتجه الى النقيض من ذلك اي الى دولة لا مركزية تتراوح ما بين فيدراليات بسلطات عالية الى اتحاد كونفيدرالي هش يشابه ذلك الذي انتهت اليه الجمهوريات السوفيتية، والخيار الثاني هو الذي يبدو اكثر ترجيحاً في حالة اخفاق المصالحة باخراج العراق من مأزقه.

هذا المشروع الذي جاء بعد تمهيدات داخلية ارتكزت على برلمان ممثل للجميع وحكومة وحدة وطنية طال تشكيلها والاتفاق على برنامج عملها بغية ان تحظى بقاعدة اجماع سياسي ووطني واسع، حمل الى الدول العربية لحشد الدعم الاقليمي له ولكي تحث مناوئيه او المتحفظين عليه من الفرقاء المحليين بالانخراط به وان تكون الضامنة لاطراف الحوار.

ما اخذ على المبادرة من عدم وضوح في بعض فقراتها، اظن ان ذلك مقصوداً وانفع، بأن لا تكون بعض العبارات والمفاهيم قطعية الدلالة لكي تسمح لكل طرف بتأويلها بما يرضي جمهوره ولا يستفز الآخر المعترض والمتخوف، كما في مسألة العفو الذي كان سيحرج الحكومة سياسياً فيما لو نص صراحة على اعفاء من قتل الجنود الامريكان فأن ذلك سيكون بمثابة مكافأة لهم حيث اعتبر بعض الساسة الامريكان بأن المالكي بذلك سيكون قد وجه صفعة قوية لوجوه عوائل كل الجنود الجرحى والقتلى، في حين ان البعض الاخر منهم يرى بأن الهدف تحقيق النجاح وليس الانتقام وان عراقا مستقرا وديمقراطيا وناجحا في المنطقة هو اكرام لاولئك الذين قتلوا، ثم ان كل النزاعات قد انتهت بالعفو فقد تم اعفاء قتلة الامريكان من الفلبينيين واليابانيين والالمان، على الجانب الآخر فأن هذه المساحة الرمادية ستكون مطلوبة كمخرج من مشكلة العفو عن الذين تورطوا بعمليات ارهابية ومسلحة في العراق عبر ادخالهم من بوابة وطنية اذ سيغلف الجميع افعالهم بغاية وطنية وهي مقاتلة المحتل.

وايضاً مما اخذ على المبادرة عدم الغاء مبدأ وقوانين اجتثاث البعث فأنه لم يكن بالامكان الذهاب الى الغائها دون اثارة الملايين من ضحاياه طيلة ثلاثة عقود والتي استكملت بثلاث سنين لجأ فيها عدد من افراده الى العمليات المسلحة والعنف لدفع العراقيين بين خيارين لا ثالث لهما اما الفوضى او عودة النظام الدكتاتوري، فكان النص على اعادة النظر بهذا القرار كتمهيد لاعادة استيعاب من تضرر منهم بهذا القرار، اما الاشكالين الاخرين اللذين اثيرا حول عدم تحديد جدول زمني لانسحاب القوات الاجنبية ومسألة الميليشيات فسأتطرق لها في سياق آخر. توجهت هذه المبادرة الى الجماعات المسلحة المحلية واستثنت التكفيرية والوافدة، والتي هي بالطبع ترفض ايضاً اي مفاوضات لكونها تحمل مشروعا جهاديا عالميا وآخر سياسيا يقوم على انقاض الحكومة والدولة كلها وهنا تكمن المشكلة في تضائل فرص نجاح الحد من العنف، اذ ان الجماعات المسلحة المحلية هي الاضعف تأثيراً في مشهد العنف بل انها في غالبها تدور في فلك «التوحيد والجهاد» وتقدم خدمات لوجستية له والذي هو صاحب الفعل في الهجمات الاكثر دموية وتدميراً بين الابرياء ومؤسسات الدولة وتشكيلاتها الناشئة، وهو ايضاً الاكثر هيمنة وسطوة وقدرات تمويل في مناطق العنف التقليدي، من هنا فأن سبيل القضاء عليهم وتحجيم عنفهم يتطلب حرمانهم وتجريدهم من ملاذاتهم الامنة وتجفيف البحر الذي يسبح به هؤلاء الجهاديون.

لذلك فأنا اميل، وبأسف، الى ان المخاوف وليست الحوافز هي ما تقرر الاوضاع في العراق، اي ان تترك لآليات التوازن الداخلي اخذ مداها لتستقر الاوضاع، اذ اولاً ان هناك من يرى ان اغلب الاقتتالات لم تنته الا بحدوث نوع من التوازن بين الفرقاء المتناحرين او المتنافسين، ويستدلون بأن العالم لم يكن له ليتجنب حرب كونية في نصف القرن الاخير لولا الردع الذي وفره التوازن النووي، وبتطبيق ذلك على النزاعات الداخلية فأن القوى المجتمعية المتصارعة عبر اذرعها المسلحة المتقاتلة لن تثيب الى رشدها الا عندما تبدأ بتكبد خسائر بالقدر الذي تلحقه بخصومها، اي بعبارة اخرى ان توازن الرعب هو الكفيل بتحقيق الاستقرار.

وثانياً بجدولة الانسحاب وهذا بخلاف الاعتقاد السائد يمكن ان تشكل ضاغطاً باتجاه الاستقرار، وهذ الخيار يمكن ان يلجأ اليه الطرفان الامريكي او العراقي، حيث ان الاداة الوحيدة للضغط والتي يملكها الامريكان هي عبر التهديد بالرحيل عن العراق، باعطاء العراقيين فترة ستة أشهر، حتى تأريخ المراجعة لمجلس الامن، لتنظيم مسألة توزيع السلطة وتوزيع عوائد النفط والتوصل الى اتفاق تعايش، وكذلك ممكن ان يلجأ الطرف العراقي الى ذلك كونه يمتلك الولاية لمراجعة الاتفاقات الدولية، وعند ذاك فأن الاطراف المتصارعة عندما تترك لوحدها امام معادلة توازناتها المجتمعية فأنها ستتخلى عن اوهام الهيمنة والتفرد والاقصاء وتضطر للعيش معاً. وثالثاً ببلوغ العنف والقتل على الهوية والانتقامات المتبادلة والتهجير والتطهير الطائفي مرحلة خطيرة نعايشها في الايام الاخيرة عن كثب ونرقب امتدادها الى مناطق مدنية في بغداد متداخلة ومتعايشة لعشرات السنين ولا تمثل مناطق قبلية ولا اماكن تشدد ديني، فأن ذلك منحى خطير يؤذن بأن السيناريو القادم هو سياسة العزل المناطقي التي تقود الى الانقسام الى اقاليم لا تقوم كضرورة ادارية او كحاجة لتقسيم السلطة بل كاجراءات طلاق وعندذاك فأن مناطق العنف التقليدي لن تحكمها الطبقة السياسية الموجودة الان بل لن تجد فيها حتى مكاناً امناً، حيث ستهيمن عليها القوى الاصولية المتشددة التي ستقيم «امارة اسلامية» وعند ذاك ستحصد البيئة الحاضنة والاطراف المحلية والاقليمية ثمار ما زرعت.

لذا فأن قطار المصالحة ربما سيكون هو الاخير المتجه لمحطة العراق الديمقراطي الموحد.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-9-7-2006