مقالات و محاضرات

 

 

المصور هو الصورة

 

خالد القشطيني

 

عندما ظهرت آلة التصوير تفنن اصحابها في تصوير خلجات الاشخاص وما تحمله من تعابير ومعان. ثم تطوروا الى تصوير المحيط والموقف وتجسيم الحدث التاريخي. اذا مات شخص مهم صوروا الاكاليل المكدسة على نعشه والشخصيات المحيطة به والجموع المحتشدة حوله.

ولتصوير كل ذلك، راح المصورون يتزاحمون ويتدافعون امام كل مشهد. التفت بعض المصورين اللوذعيين اخيرا الى هذه الظاهرة. العبرة في ابراز اهمية الحدث، العرس او الجنازة او الحفلة او المؤتمر الصحافي، هو ليس في تصوير العروس او الرئيس او الوزير، بل ولا حتى في تصوير الضيوف والمشيعين، وانما في تصوير المصورين الذين حضروا العرس او الجنازة او الحفل. انها احسن معيار لاهمية الحدث. كم منهم حضروا؟ ماذا جاءوا به من كاميرات ومعدات؟ ماذا اقاموا من منصات وسلالم؟ اي اشجار او اعمدة كهرباء تشلبقوا عليها؟ هل وقع أحد منهم وكسر رجله؟ هذا هو المعيار الدقيق لأهمية الحدث وشخصية الرجل، حيا او ميتا.

ما زلت اتذكر جنازة الاميرة ديانا. كل مكان فيها من تركيز انصب على المصورين الذين احاطوا بالجنازة. بالطبع لا يحب المصورون مصورا يصورهم، فالمثل الانجليزي يقول في بيت صياد السمك لا يحبون أكل السمك. وهذا يقضي من المصور الذي يصور المصورين ان يتوارى في مكان ما ويتفنن في الترصد لهم. ووضعه ذلك في كثير من الاحيان في اغرب الاماكن واعجب الوضعيات. وكلما ازداد الحدث اهمية ازداد هذا المصور تفننا في اخفاء نفسه عن زملائه المصورين. والآن اصبح تصوير هذا المصور الذي يصور المصورين احسن دليل على اهمية الحدث. اذا كنت تريد ان تحصل على احسن صورة تصور لك مدى اهمية اي شخصية او واقعة فحاول ان تحصل على صورة المصور الذي كان يصور المصور الذي كلف بتصوير المصورين. اما رئيس الوفد او الحكومة او قائد الجيش فليس له اي اهمية مطلقا.

وهذه حقيقة غابت عن انتباهنا. ما زلنا نقرأ هذه التفاهات مثل: «وسارت جموع غفيرة في تشييع فقيد الأمة العربية، وحضر الحفل الوزراء وممثلو السلك الدبلوماسي».

هذا كله كلام قديم لا يواكب العصر. المطلوب لغة جديدة تقول مثلا «احاطت بجثمان الفقيد عشرون كاميرا فديو وثلاثون كاميرا أس أل آر.. وكانت مصابيحها تتوهج حول نعش الفقيد من كل جانب.. وعندما وصل الى مثواه كانت بانتظاره كاميرات اس أن أن كاملة مع اطباقها الفضائية وبطارياتها الجافة». وبدلا من الكلام الفارغ عن طلقات المدافع، يكتب المراسل فيقول: «وما ان ادلى النعش حتى تكتكت تسع وتسعون كاميرا بأزرارها معلنة انتهاء عهد بائد ومجيء عهد بائد آخر. وبعد تبادل كلمات التعازي، انصرفت جموع الكامرات بقلوب عامرة بتصاوير الحزن والألم».

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-9-7-2006