في ذكرى 7/7 :

                                أدوات القرن الـ 20 لا تصلح لمواجهة إرهاب القرن الـ21

 

عادل درويش

 

تمثل رد الفعل العفوي لإرهاب 7/7 في تضامن الأفراد ومساعدتهم البعض فور الانفجارات، والمضي في الحياة بالبرود الإنجليزي، استرجاعا لخبرة التعامل مع الجيش الجمهوري الايرلندي IRA وقنابل اللفتوافا اثناء الحرب الثانية. رباطة الجأش والبرود الإنجليزيين، نجحا في تضميد الجروح وتجنب الهيستريا التي دفعت بآخرين، كالأسبان، لتغيير مسارهم الانتخابي. لكنها افرزت وهما بالقدرة على فهم قوى الإرهاب التي نواجهها اليوم.

جماعات القرن العشرين، بمطالب استقلالية او انفصالية «اثنوجغرافيا» ـ كمنظمات الإرهاب اليهودية شتيرن وإيرغون، والعمال الكردستاني التركي، والفلسطينية، وايوكا، ونمور التاميل، مثلا ـ، كانت تنظيماتها هرمية، وظفت العنف كوسيلة الطرف الاضعف لإرغام الأقوى على الاعتراف بمطالبها.

منظمات القرن 21 ليست هرمية، وانما شبكات متشعبة كمؤسسة متعددة الجنسية Multinational Corporation، تؤجر عملياتها لوكلاء محليين Outsourcing/ franchising يضعون ماركتها Brand-name على بضاعة تسوق محليا. واجندة مؤسسة «القاعدة» الدولية للإرهاب تخلو من أية مطالب وطنية كحق تقرير المصير؛ انها «عولمة للإرهاب» باسواق، وبضائع، واسلحة، وعاملين/وكلاء، ونفوذ، واعلام (عبر تسلل افكارها لمحرري الفضائيات).

ارهاب لا يمكن احتواؤه كاخطار IRA أو شتيرن، او التكفير والهجرة. فبمراجعة ارشيف الصحف «للجرائم»، نلاحظ الفارق بين زعماء منظمات القرن 20 كمايكل كولينز في الحركة الأيرلندية، واسحاق شامير لشتيرن، في توظيفهم للعنف كوسيلة؛ وبين اسامة بن لادن، وايمن الظواهري، والملا محمد عمر اثناء حكمهم لأفغانستان بوحشية وبكراهية لمبدأ تخيير الانسان، وما يفوق جحيم دانتي في جحيم مؤسسة القاعدة ـ طالبان (جبرية الملبس والمظهر، فقء عيون، قطع ايد، حرمان النساء العلم ورجمهن، تدريب الإرهابيين واطلاقهم على الناس وتدمير الحضارة). فالقاعدة لن تتورع عن استخدام قنبلة نووية حتى ضد مسلمين.

المعلق الشرقي يعيش وهم ان «القاعدة» مجرد مؤامرة (ماسونية أو صهيونية او امبريالية، حسب «الصنف» المفضل لديه) لتبرير حرب الصليبيين على العرب والمسلمين ؛ وزميله الغربي يتوهم انها من اختراع الحكومة لتوسيع سلطة الدولة ضد الفرد وتبرير الإنفاق العسكري.

معلقون شرقيون يتهمون الموساد بـ 7/7، وCIA بانتاج شرائط «ضيفها» بن لادن، للجزيرة؛ بسبب تجمد ادوات تحليلهم عند صراعهم مع اسرائيل، فلا يتصورون الظواهري وبن لادن، اصحاب الماركة التجارية ـ يروجها وكلاء تغلغلوا في فضائيات تسوق للجهاد ضد الصليبيين/اسرائيل ـ، يستهدفون مسلمين مثله.

معلقو الغرب برمجوا ادوات تحليلهم بخبرة تنظيمات القرن 20، فعجزت عن قياس ابعاد إرهاب عصر العولمة؛ فرأوا 7 /7 كانتقام شباب من المجتمع لغضبه من الحرب في العراق وأفغانستان؛ رغم وضوح بصمات القاعدة على فيديو زعيم المجموعة محمد صديق خان، ومصاحبة الظواهري لزميله الانتحاري شهزاد تنوير في شريط بثته الجزيرة الخميس.

وتتوهم الأجهزة ان اختراق خلية سيؤدي الى تقويض التنظيم. فمكتب FBI «اخترق» مجموعة في ميامي تخطط لعمل ارهابي، ليكتشف انهم هواة اعتنقوا الإسلام (المسيس) ومحاولتهم طلب مساعدة القاعدة أوصلتهم لكومبيوتر FBI.

فالقاعدة هي شبكة علاقات شخصية، غير هرمية؛ وارتباط «جهادييها» يشبه العلاقة «التنظيمية» لحملة بطاقات «فيزا» او «ماستركارد»؛ لا يعرفون بعضهم البعض، الاتصال بالبنك، الموجود خارج البلاد، فردي لحظي إلكتروني، او عند الدفع في المحل (واحيانا بهوية مزورة). ومخابرات القرن 20 التي اختبرت على المافيا والـIRA تفتقر لادوات التعامل مع «فيزا» القاعدة.

وهناك عاملان مشتركان بين كل عمليات الارهاب. الأول ان التمويل والتسليح مصدره القاعدة، وقائد المجموعة الذي جند افرادها تدرب في معسكراتها وانتحاري ينتهي الخيط بموته. وثانيهما اختيار اهداف تؤدي الى رد فعل يلوم الضحية لهز ثقة المجتمع بنفسه.

رسائل تبرير الإرهاب (أشرطة خان وتنوير والظواهري) مبنية على اربع دعائم :

اولها تدخل عسكري افرز ردة فعل اسلامية ؛ وثانيها ان توني بلير خالف الرأي العام الشعبي، وأقنع البرلمان لغزو العراق بالغش والكذب؛ وثالثها، ان كل شريط تبثه الجزيرة لبريء يذبحه الزرقاوي، او قنبلة تنفجر في طابور طالبي لقمة العيش، هو دليل جديد لرفض المسلمين لوجود غربي على اراضيهم ؛ ورابعا سحب القوات من اراضي المسلمين يجنب تكرار الهجمات.

ويقع المحللون اليساريون في الفخ، فيلومون الضحية بدلا من المجرم.

وينطبق الأمر على الشرق ايضا، حيث تمنع الحكومات عن دعم العراقيين وتخرس الأصوات الليبرالية وتضيق حرية التعبير ، لتجنب هجمات المتطرفين من السلفيين.

وتروج اجهزة الأمن لبروباجندا الإرهابيين بمبالغتها في الخطر، عن قصد (طمعا في ميزانية أكبر وصلاحيات اوسع)، او عن جهل بترويع الشعب بتحذيراتها (كتوقع ارهاب بسلاح دمار شامل مثلما سربت المخابرات للـ«صانداي تلغراف» قبل اسبوعين معتقدة انها تؤدي خدمة بتحذير الشعب).

ومن الحكمة عدم التسرع في تحليل اهداف القاعدة رغم غرابتها.

مثل محللين فسروا تعرض مصر والأردن للإرهاب كرد فعل للسلام مع اسرائيل (ويدعو الأخوان لتمزيق معاهدة السلام مع اسرائيل ـ رغم ان اغتيالاتهم وقنابلهم في مصر بدأت قبل ظهور اسرائيل بعشرين عام).

وتفسير 7/7 كرد فعل لغزو العراق وافغانستان، او تفسير انصار التصحيح السياسي Political Correctness والتعددية الثقافية Multiculturalism لها بانعزال الشباب المسلم وتعرضه للعنصرية، ربما يكون صحيحا جزئيا؛ الا ان الهدف الأساسي لإرهاب القاعدة هو الديمقراطية كنظام سياسي اقتصادي اجتماعي.

فتفجير قنابل في وسائل مواصلات مزدحم، هو اختطاف الإرهابي للشعب «كرهينة» يساوم الرأي العام على سلامتها، فيدفع الأخير «الفدية» في شكل اجبار الحكومة على التخلي عن برنامجها الانتخابي، او باسقاطها (مثال اسبانيا).

وبما ان الديمقراطية نظام يرفض مطالب أقلية مهووسة برسالة تاريخية خارج القياس العقلي، فإن ازدهار الديمقراطية (كنهر متجدد يعزل نيران الشمولية الأصولية) هو تهديد لوجود القاعدة نفسه. وحتى اذا انسحبت بريطانيا من العراق، وألغت مصر معاهدة السلام، وتأسست دولة فلسطينية، وعفت السعودية عن بن لادن، فلن تتخلى القاعدة عن ارهابها لأنها تريد القضاء التام على الديمقراطية كنظام حياة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-8-7-2006