فشل تجربة "تايبودونج 2"... صفعة قوية لطموحات كوريا الشمالية

 

نوريميتسو أونيش وديفيد سنجر

 

أطلقت كوريا الشمالية يوم أمس الأربعاء ستة صواريخ على الأقل في إطار التجربة فوق بحر اليابان بما فيها الصاروخ العابر للقارات الذي يبدو أنه فشل، أو أجهض بعد 42 ثانية على إطلاقه حسب ما صرح به مسؤولون في البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأميركية. وقد جاءت سلسلة الصواريخ التي أطلقت على مدى أربع ساعات لتشكل تحدياً واضحاً لتحذيرات الرئيس بوش وحكومات دول أخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين. ولم يستأثر باهتمام الولايات المتحدة واليابان اللتين نددتا بعملية إطلاق الصواريخ سوى الصاروخ العابر للقارات "تايبودونج 2" الذي كان على امتداد شهر من الزمن خاضعاً للمراقبة الأميركية وهو فوق منصة الإطلاق. ويعتبر الخبراء في مجال الأسلحة أن الصاروخ قادر على الوصول إلى ألاسكا، أو السواحل الغربية للولايات المتحدة. لكن المسؤولين الذين تعقبوا إطلاق الصاروخ أكدوا سقوطه في بحر اليابان قبل أن تكتمل المرحلة الأولى من رحلته الجوية.

وفي هذا الصدد صرح "ستيفن هادلي"، مستشار الرئيس بوش للأمن القومي، للصحافيين عبر الهاتف مساء يوم الثلاثاء في واشنطن قائلاً "لقد كان تايبودونج 2 فشلاً ذريعاً يحيل على القدرات الحقيقية لكوريا الشمالية". ومع ذلك حذر باقي المسؤولين بأن تجربة الإطلاق الفاشلة قد تمنح فرصة للخبراء في كوريا الشمالية لتشخيص الخلل والعمل على معالجته في المرات القادمة. ومن جهته أصدر البيت الأبيض في ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء بياناً أكد فيه التزام الولايات المتحدة بـ"حل سلمي ودبلوماسي"، كما أكد على سعيها إلى تنفيذ ما ورد في بيان سابق حول نزع السلاح النووي صدر في أعقاب آخر لقاء جمع أميركا مع كوريا الشمالية في شهر سبتمبر الماضي. بيد أن البيان الصادر عن البيت الأبيض الذي يشدد على استعداد الإدارة الأميركية للوصول إلى حل سلمي للأزمة أشار أيضاً إلى أن "التحرك الأخير لكوريا الشمالية وامتناعها عن استئناف المحادثات يدل على أنها لم تتخذ بعد القرار الاستراتيجي بالتخلي عن برنامجها النووي". وأضاف البيت الأبيض في البيان أنه "تبعاً لذلك سنواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أنفسنا وعن حلفائنا".

وقد شكلت قضية الصواريخ مصدراً لتوتر العلاقات بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة بسبب زعم "بيونج يانج" امتلاكها للسلاح النووي. وتأخذ المخاوف الأميركية إزاء تطور القدرات العسكرية لكوريا الشمالية، خاصة تقنية إطلاق الصواريخ بعيدة المدى أبعاداً أخرى في ظل تقديرات أجهزة الاستخبارات الأميركية التي أطلعت الرئيس بوش عن اعتقادها بأن كوريا الشمالية قد نجحت في إنتاج ما يكفي من الوقود لتصنيع ست قنابل نووية أو أكثر. لكن التقديرات الاستخباراتية تستبعد احتمال تطوير كوريا الشمالية لرؤوس حربية صغيرة تُثبت على الصواريخ، وهي أيضاً لم تجرِ أية تجربة نووية في السابق على حد علم المسؤولين الأميركيين. أما الصواريخ الأخرى التي أطلقتها كوريا الشمالية إلى جانب الصاروخ العابر للقارات، فيبدو أنها خليط من صواريخ "سكود. سي" قصيرة المدى وصواريخ "رودونج" المتوسطة المدى، وهي من الطراز الذي باعته بيونج يانج إلى إيران وباكستان وبلدان أخرى.

ورغم عدم إعلان كوريا الشمالية مقدماً عن موعد إطلاق الصواريخ، فإن العملية بدأت بعدما أقلعت مركبة الفضاء الأميركية ديسكفري من فلوريدا، وهو حدث متاح عبر شاشات التلفزيون. ولم يجزم المسؤولون الأميركيون حول ما إذا كانت عملية تجريب الصواريخ قد حدد موعدها ليتزامن مع انطلاق المركبة الفضائية ديسكفري، أو ليتزامن مع عيد الاستقلال الأميركي، إلا أن المراقبين خارج الولايات المتحدة لا يشكون أبداً في هذا التزامن المقصود لتلك للأحداث. ولئن كان إطلاق الصواريخ يشكل تحدياً صارخاً للتحذيرات الأميركية، فلاشك أن فشل الصاروخ العابر للقارات في تحقيق الغرض منه يعتبر نبأ جيداً بالنسبة للإدارة الأميركية. فقد تعرضت قدرات كوريا الشمالية للاهتزاز في أنظار العالم، فضلاً عن أن الرئيس "كيم يانج إيل" وضع نفسه في موقف حرج مع الصين وكوريا الجنوبية، البلدين اللذين كانا يمدانه بالمساعدات. ويأمل المسؤولون الأميركيون أن "تعبر الصين عن غضبها تجاه كوريا الشمالية" حسب ما أفاد مسؤول أميركي رفض الكشف عن هويته.

وكشف مسؤول أميركي آخر أن الصين قبل أيام قليلة فقط كانت تحاول ترتيب عقد اجتماع غير رسمي للأطراف المشاركة في المحادثات السداسية مع كوريا الشمالية حول ملفها النووي. وكانت "بيونج يانج" قد قاطعت المحادثات منذ سبتمبر الماضي بسبب ما أسمته جهوداً أميركية لإغلاق المصارف التي تتعامل معها في الخارج. ومع أن كوريا الشمالية لم ترد على دعوة الصين باستئناف المباحثات، إلا أن المسؤولين الأميركيين يؤكدون أن بكين ما كانت لتقدم على إحراج نفسها مع "بيونج يانج" إذا لو لم تكن واثقة من تجاوبها الإيجابي مع دعوتها، لاسيما وهي تعد إحدى أوثق حلفائها في المنطقة. ولا ننسى أيضاً أن إقدام كوريا الشمالية على إطلاق الصواريخ سيصعب من مهمة جارتها الجنوبية في مواصلة مساعداتها التي كثيراً ما أثارت حنق الولايات المتحدة. وعلى صعيد متصل يتهيأ "كريستوفر هيل"، مساعد وزيرة الخارجية لشؤون شرق آسيا وكبير مفاوضي كوريا الشمالية للتوجه إلى آسيا يوم الأربعاء في زيارة يتوقع المسؤولون الأميركيون أن تسعى إلى استغلال عملية إطلاق الصواريخ لإقناع الصين وكوريا الجنوبية بفرض عقوبات على بيونج يانج.

ومن المرجح أيضاً أن تسهم تجربة إطلاق الصواريخ في تعزيز موقف المتشددين داخل الإدارة الأميركية الذين لم يكونوا متحمسين كثيراً للمحادثات السداسية مع كوريا الشمالية. وقد أصبح الطريق ممهداً أمامهم لممارسة المزيد من الضغوط على الرئيس بوش لفرض عقوبات اقتصادية على بيونج يانج على أمل أن يقود ذلك إلى عزل النظام وسقوطه.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع "نيويورك تايمز"-6-7-2006