مقالات و محاضرات

 

 

صعود نجم 'رايس'... هل يعيد البريق إلى صورة أميركا؟

 

جلين كيسلر

 

عندما أعلنت كوندوليزا رايس عن استعداد الإدارة الأميركية الانضمام إلى الدول الأوروبية للتفاوض مع إيران حول برنامجها النووي لم تقم بذلك من القاعة المخصصة لعقد الندوات الصحفية المتواجدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بل فضلت المشي خمسين قدماً تحت أضواء الكاميرات المسلطة عليها والصعود إلى المنصة في قاعة "بنيامين فرانكلين" الفسيحة مستحضرة في أذهان المشاهدين صورة الرئيس وهو يتقدم نحو الصحافة للإدلاء بتصريحاته.

ويذكر أن الطريقة التي أدلت بها "رايس" بتصريحها حول إيران أواخر شهر مايو الماضي لم تكن وليدة الصدفة، بل كان المقصود منها إظهار الجدية التي تكتسيها سياسة الإدارة تجاه إيران، فضلاً عن التغير الذي طرأ عليها. وقد شكلت العناية الدقيقة بالمظاهر والصور إحدى الخصائص المهمة التي ميزت فترة كوندوليزا رايس في وزارة الخارجية ليمتد الحرص من طريقة التموضع أمام الكاميرات إلى أسلوبها في لقاء الضيوف الأجانب، وقيام مساعديها بترتيب لقاءات مع شخصيات مشهورة في البلدان الأجنبية التي تزورها من حين لآخر.

ويبدو أن صورة كوندوليزا رايس كوزيرة نشطة تعمل بهمة وجد لا تنفصل عن نفوذها المتزايد ووضعها الجديد كأقوى وزيرة في الإدارة الأميركية التي تعاني العديد من المشاكل والصعوبات تؤثر سلباً على صورتها في أنظار الرأي العام الأميركي. هذه المشاكل المرتبطة بالصورة لا تنطبق على "رايس" التي عملت طيلة الفترة السابقة على تحسينها وإعادة وهجها المفقود. فقد أشار استبيان أجرته مؤسسة "هاريس" الشهر الماضي إلى أن معدل شعبية كوندوليزا رايس تجاوز بـ20% ذلك المعدل الذي يحظى به الرئيس الأميركي نفسه. ويرتبط رضا الرأي العام الأميركي حسب استطلاع آخر للرأي قامت به "واشنطن بوست" وشمل ألف مستجوب بمهنيتها العالية من جهة وقدرتها على النأي بنفسها عن سياسات إدارة الرئيس بوش غير الشعبية من جهة أخرى. ورغم منصب رايس في فترة الحرب على العراق كمستشارة للرئيس للأمن القومي، نفى العديد من المستجوبين بمن فيهم المعارضون للحرب أن يكون لـ"رايس" دخل كبير بقرار الحرب الذي اتخذ من قبل "الصقور" في البيت الأبيض.

ويعتقد "ديريك تشوليت" الذي ساعد وزيري الخارجية الأسبقين جيمس بيكر ووارن كريستوفر على كتابة مذكراتهما بأن الوزيرة الحالية "توظف نفوذها في الخارج المستمد من شعبيتها الكبيرة لحسم المعارك الداخلية لصالحها في الإدارة الأميركية" كالتغيير الذي نجحت في فرضه بخصوص الموقف الأميركي إزاء طهران. وأضاف "ديريك" قائلاً "لن أتردد في تصنيف رايس كأحد أكثر وزراء الخارجية الأميركيين فاعلية، من حيث نجاحها في تحسين الصورة العامة للوزارة". ولا تنحصر شعبية رئيسة الدبلوماسية الأميركية داخل الولايات المتحدة، بل تمتد أيضاً إلى باقي أنحاء العالم، ما يجعلها شخصية عالمية مؤثرة. ففي شهر ديسمبر الماضي جلس الطلبة بـ"كييف" ينصتون باهتمام بالغ إلى "رايس" وهي تلقي محاضرتها في انتظار دورهم لإلقاء الأسئلة التي انصبت حول "وصفتها للنجاح" ومعنى أن تكون رايس "أكثر النساء تأثيراً" في إدارة الرئيس بوش. أما خلال زيارتها إلى العراق فقد أخذها عبدالعزيز الحكيم رئيس حزب "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" جانباً كي يطلب منها كتابة ملاحظة مقتضبة لحفيدته المعجبة بها.

وفي سؤال وجهته مجلة "إسكواير" إلى ألف رجل حول المرأة التي يودون رؤيتها في حفل عشاء، تصدرت كوندوليزا رايس اللائحة متقدمة على شخصيات أخرى مشهورة. وبالرجوع إلى استطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة "واشنطن بوست" نالت "رايس" تقدير ضعف المستجوبين الذين أبدوا تحفظهم إزاءها، بينما لا تكف استطلاعات أخرى عن كشف انحدار شعبية بوش ونائبه ديك تشيني إلى مستويات متدنية. كما أن أغلب الذين أظهروا مواقف إيجابية حيال "كوندوليزا رايس"، أكدوا على الدرجة العالية من المهنية التي تتمتع بها. وقد امتدت هذه الآراء الإيجابية تجاه رايس إلى "الديمقراطيين" والمستقلين، حيث عزا سبعة من بين عشرة مستجوبين مواقفهم الإيجابية إلى خصالها الشخصية. وبفضل الانطباع الجيد الذي تركته "رايس" في نفوس الرأي العام أصبحت مرشحة محتملة لخوض الانتخابات الرئاسية لسنة 2008، رغم محاولاتها المتكررة التقليل من مشاركتها في الانتخابات الرئاسية. ومع ذلك أفاد 54% من المستجوبين في استطلاع الرأي الذي أجرته "واشنطن بوست" بأنهم إما سيصوتون لصالحها، أو سينظرون جدياً في مسألة التصويت لصالحها.

ولم تمنع تصريحات "رايس" حول رغبتها في العودة إلى ولاية كاليفورنيا والتفرغ للتدريس في الجامعة من تعبئة المساندين لها وانخراطهم في حملة تدعو الحزب "الجمهوري" لترشيحها في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وفي هذا الصدد صرح "مارك ماكينون"، المستشار الإعلامي للرئيس بوش في الفترة بين 2000 و2004 بأن (رايس تتوفر على إمكانيات سياسية غير محدودة تؤهلها لخوض الانتخابات الرئاسية إذا ما قررت ذلك، موضحاً أنها "تمتلك جميع المواصفات المثالية، فهي "جمهورية" وامرأة من أصول أفريقية، فضلاً عن أنها وزيرة للخارجية، لذا لا أعتقد أن هناك نجماً ساطعاً في سماء الحزب "الجمهوري" مثل رايس". ورغم اعتقاد "ماكينون" بأن رايس "لن تترشح للانتخابات الرئاسية لسنة 2008، فإنها ستكون مرشحة قوية لشغل منصب نائب الرئيس، لاسيما إذا كانت هيلاري كلينتون المرشحة الديمقراطية في الانتخابات الرئاسية".

ولئن كانت رايس تستميت في بداية عملها -كمستشارة الرئيس للأمن القومي- في الدفاع عن السياسات الخارجية للرئيس بوش، فإن نجمها سرعان ما بدأ يصعد بعد مجيئها إلى وزارة الخارجية. فبعد شهر واحد من تواجدها على رأس الدبلوماسية الأميركية صورت في ألمانيا وهي تشق طريقها وسط المئات من الجنود الأميركيين وهي تلبس قميصاً أسود. وتظهر براعة "رايس" خصوصاً في اللقاءات التي تنطوي على حوارات مباشرة مع الجمهور، حيث تتبدى مؤهلاتها التواصلية وتأسر مستمعيها. أما في زيارتها خارج الولايات المتحدة فهي كثيراً ما تلجأ إلى سرد قصة طفولتها في الجنوب الأميركي وكيف استطاعت النجاح في بيئة لا تنظر بعين الثقة إلى الأميركيين من أصول أفريقية. وتحرص "رايس" أيضاً في زياراتها الخارجية على أن تستقبل من قبل المشاهير من عالم الفن والموسيقى ما يجعلها تحتل الصفحات الأولى للصحف المحلية والعالمية.

محررة في قسم الشؤون الخارجية بصحيفة "واشنطن بوست"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: ICAWS- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست -6-7-2006