الرادع النووي البريطاني

 

سيريل تاونسند

 

اختار غوردون براون، وزير المال البريطاني النافذ، على قساوته، والذي يعتبره الكثيرون خليفة توني بلير سنة 2007، أن يستخدم خطابه السنوي الذي أدلى به في «ذا مانشون هاوس» في مدينة لندن يوم 21 حزيران (يونيو)، ليقدّم دعمه للرادع النووي البريطاني. وهو في الحقيقة لم يقل الكثير إنما انتشر مساعدوه بين الناس يؤكدون لهم أهمية كلمته فتصدر هذا الموضوع حوارات الحاضرين.

تعتبر مسألة استبدال نظام «ترايدنت» البريطاني للدفاع النووي الذي تنتهي مدته بحلول العام 2020 من القضايا السياسية المهمة التي يترقب المرء صعود نجمها ببطء. وهي تثير عن حق حماسة المهتمين بإدارة حكيمة لشؤون بريطانيا، في حين لا تستقطب اهتمام معظم المواطنين المهتمين بالتسوّق أو بمتابعة كأس العالم في كرة القدم في الحانات والنوادي.

وبالعودة إلى التصريح الحرفي الذي ورد على لسان براون، فهو وعد بأن:

«سنبدي قوة العزيمة نفسها في حماية أمننا داخل هذا البرلمان وعلى المدى الطويل، كما سنكون أقوياء في محاربة الإرهاب ودعم حلف شمال الأطلسي (ناتو) وقواتنا داخل البلد وخارجه، وفي الحفاظ على القوة التي نملكها للردع النووي».

ولكن حزب المحافظين، أي حزب المعارضة الرئيسي، لا يرى في كلمات غوردون سوى تكرارا للعهد الذي قطعه حزب العمال على نفسه خلال الانتخابات العامة السنة الماضية. وفي المقابل، شدد مساعدو غوردون براون على أن ذكره عبارة «المدى الطويل»، تشير الى التزام الوزير باستبدال الرادع البريطاني أو بتحديثه. وجاء خطابه ليكرر أنه في السياسة، حتى لو ان الخطاب استمر لأكثر من 20 دقيقة وكان مجرد روتين ممل، يجب التمعّن بكل كلمة ودرس أي تلميح محتمل تحت المجهر.

ما من شك في أن المملكة المتحدة ستحتفظ بقوة الردع النووي التي لديها. وقد فتحت لجنة الدفاع التابعة لمجلس العموم تحقيقا حول هذا الموضوع في آذار (مارس) الفائت. وبما أن عملية التخطيط لبديل الرادع الحالي وتطويره ونشره ستتطلب 15 عاما على أقل تقدير، من المناسب ان يتوصل مجلس العموم الحالي إلى قرار حول ما إذا كان هذا الموضوع حساساً ومرغوبا فيه.

والغريب أن دايفد كاميرون لم يتفوه بشيء تقريبا حول العلاقات الخارجية أو الدفاع منذ توليه قيادة حزب المحافظين منذ ستة أشهر، غير أنه بتقديري، سيتابع هذا الحزب تقليد دعمه للرادع النووي.

وبحسب معرفتي، لم يتوصل الديموقراطيون الليبراليون إلى قرار بعد حول هذا الموضوع، وأعتقد أن تمهلهم حكيم في ظل الظروف الراهنة. في بيانهم الأخير، قالوا إنهم سيبقون على «أدنى مستوى ردع حالي في المملكة المتحدة في المستقبل القريب، إلى حين التوصل إلى إزالة هذه الأسلحة عالميا». أما المشكلة الحالية فهي منع انتشار الأسلحة النووية إلى دول مثل إيران مثلا.

خلال سني الحرب الباردة الأولى الطويلة، كنت أدعم امتلاك المملكة المتحدة أسلحة نووية خاصة بها. كانت حجتي واعتقادي أنه يتعين على إحدى الدول الأوروبية الغربية العضو في الناتو على الأقل أن تمتلك وسيلة ردع نووية. وفي 2006، وبعد تفجيرات لندن الصيف الماضي، أصبح الشعب يفهم جيدا أن امتلاك رادع نووي لا يمنع المتطرفين دينيا من التخلي عن حياتهم لقتل الناس عشوائيا. في حين يرى البعض أنه في مواجهة طموحات كوريا الشمالية النووية، يصبح امتلاك وسيلة كهذه خطوة حكيمة، إضافة إلى الشعور بأن هذا الرادع يمنح بريطانيا المزيد من النفوذ في العالم، وهي حجة ضعيفة بنظري.

بالطبع، ركزت وسائل الإعلام البريطانية على وضع ملاحظات غوردون براون في إطار التكهنات المملة والطويلة الحالية حول توقيت حلوله محل توني بلير وواقعية قرار كهذا ومدى تأثيره على إدارة الحكومة. فالرجلان انتخبا في 1983 و1987 على خلفية «السياسة الدفاعية غير النووية» التي اعتمدها حزب العمال الذي سرعان ما تخلى عن أحاديته في 1988 تحت قيادة نيل كينوك، بسبب اعتقاد القائد الجديد أن الأحادية قضت على فرص انتخاب الحزب.

ما كان غوردون براون يحاول أن يصيغه في خطاب 21 حزيران هو أنه في حال شغر منصب رئاسة الوزراء في «10 داوننغ ستريت»، لن تتغير سياسات الحكومة الأساسية بشكل متهور، علاوة على أنه قادر على اتخاذ قرارات قاسية وإن لم تحظ بشعبية في صفوف الجناح اليساري من حزب العمال.

برأيي ثمة الكثير من الأسئلة المهمة التي لا تزال معلقة من دون أجوبة: هل سيصوت مجلس العموم على هذه المسألة قبل شروع الحكومة بتنفيذ خطتها؟ لا يبدو الجواب إيجابيا في الوقت الحالي. كم ستبلغ الكلفة النهائية؟ الجواب المحتمل هو: ما بين 12 و20 مليار جنيه إسترليني. أليس من الأفضل صرف هذه المليارات على وسائل دفاعية أخرى؟ فنحن بحاجة إلى زيادة عدد السفن الحربية وكتائب المشاة في أماكن كأفغانستان. ما زلنا في المراحل الأولى للنقاش.

سياسي بريطاني ونائب سابق عن حزب المحافظين.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-5-7-2006