ليبرمان.. النسخة «الديمقراطية» لبوش

 

وليد أبي مرشد

 

مع اقتراب موعد انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة (نوفمبر المقبل)، لم يكن مستغربا أن تعلن الادارة الاميركية عن «خطة ما» للخروج من المأزق العراقي.

ولأن أي خطة لا تنص على انسحاب ما من العراق لن تكون خبرا «انتخابيا»، جاء اعلان البيت الابيض عن خطة «لخفض» عدد الجنود الاميركيين في العراق في الوقت المناسب.. وفي الصياغة المناسبة ايضا إذ يعد، من جهة، بخفض عديد القوات الاميركية بحلول عام 2007 المقبل، ويحتفظ، من جهة أخرى، بحق التراجع عن هذا الوعد من خلال ربطه بتطور الأوضاع في العراق، والتأكيد على انه «خيار من عدة خيارات قيد البحث».

إذن، على المتطلعين الى شرق اوسط مستقر أن ينتظروا ـ وقد يطول الانتظار ـ تطورين يبدوان متلازمين؛ الاوضاع في العراق والانتخابات في الولايات المتحدة.

أن يأتي الترياق من العراق أمر مستبعد على المدى القريب، فتقويم اوضاع العراق بات اليوم بحاجة الى منجم أكثر منه الى محلل، والمعطيات المتبدلة باطراد، سواء داخل الساحة العراقية أوفي محيطها المباشر، تجعل هذه الأوضاع مفتوحة على كل الاحتمالات.

غني عن القول ان هذا الواقع يرجح كفة العامل الاميركي على العامل العراقي الداخلي في تحديد مستقبل العراق على المدى القريب.

إلا ان مشكلة العامل الاميركي أنه يرتهن، الى حد بعيد، بنتائج انتخابات منتصف الولاية ـ على اعتبارها المؤشر الأولي لاتجاهات الرأي العام الاميركي في انتخابات الرئاسة المقبلة ـ ومشكلة انتخابات الرئاسة المقبلة انها ترتهن، بدورها، بأوضاع الحزب الديمقراطي، ومشكلة الحزب الديمقراطي انه يزداد تشرذما في مواقفه من «الحالة العراقية».

«سناتورات» الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ منقسمون على بعضهم البعض، ومواقفهم من «الحالة العراقية» تتوزع على ثلاثة اتجاهات متباينة؛ مجموعة يقودها السناتور جو ليبرمان تسير في ركاب الحزب الجمهوري وتؤيد استمرار الوجود العسكري الاميركي في العراق الى موعد غير محدد، ومجموعة يقودها جون كيري تدعو للانسحاب بحلول يوليو(تموز) 2007 وبأقل خسارة ممكنة، ومجموعة ثالثة تتصدرها هيلاري كلينتون، تقف في منزلة بين المنزلتين بتأييدها بقاء القوات الأميركية في العراق «في الوقت الحاضر»...أي أن الحزب المفترض ان يقف صفا متراصا وراء مرشح رئاسة يعارض بوضوح استراتيجية الجمهوريين في العراق ويضع تاريخا محددا لانسحاب القوات الاميركية، يقدم مرشحين محتملين ـ من أصل ثلاثة مرشحين بارزين ـ يدعمان سياسة خصمه، الحزب الجمهوري، في العراق… وان بحرارة متفاوتة.

ان يتخبط الحزب الديمقراطي ـ قبل عامين ونصف العام من الانتخابات الرئاسية، وأقل من خمسة أشهر على انتخابات منتصف الولاية ـ بحالة بلبلة مفجعة في تصوره «للمخرج» اللائق من مأزق العراق.. أمر يوحي بأن المأزق العراقي لم يصل بعد الى مستوى القضية الانتخابية الاولى في الولايات المتحدة (كما كان الحال مع المأزق الفيتنامي في أواخر الستينات)، وأمر يثير التخوف من ان تتحول «الحالة» العراقية، على مر الايام، الى نسخة أخرى عن «القضية» الفلسطينية: موضوع يتجاوز الخلافات الحزبية الاميركية الى «ثوابتها» الدبلوماسية، خصوصا في حال وصول السناتور الديمقراطي، جو ليبرمان، الى البيت الابيض.

غير خاف أن حظوظ نجاح السناتور ليبرمان في الانتخابات المقبلة لا يستهان بها، فهو عضو في مجلس الشيوخ منذ 18 عاما، وكان رفيق آل غور في معركة عام 2000، كما كان منافسا جديا في الترشح للرئاسة في معركة عام 2004، ويحظى، الى جانب ذلك، بتأييد «المؤسسة» الحزبية الديمقراطية (أحدث استطلاع لرأي الحزبيين أعطاه نسبة تفوق على منافسيه تتراوح بين 40 و55 في المائة).

سنتان ونصف السنة تفصلنا عن موعد الانتخابات الرئاسية الاميركة. وفي عالم السياسة «يخلق الله ما لا تعلمون» في مدة زمنية كهذه.

ورغم ان استطلاعات الرأي العام الاميركي ما زالت ترجح خسارة الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية المقبلة، فإن احتمال تزكية الحزب الديمقراطي لترشيح ليبرمان للرئاسة (في انتخابات الحزب التمهيدية في ولاية كونيتيكت في أغسطس /آب المقبل) سوف يعني ان سياسة الرئيس الديمقراطي الجديد في البيت الابيض، حيال العراق، ستكون مجرد امتداد لسياسة سلفه الجمهوري.. إن لم تكن أسوأ.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-29-6-2006