مقالات و محاضرات

 

 

نفق المواجهة بين مشعل وهنية

 

هدى الحسيني

 

اذا كانت كتائب القسام ـ الجناح العسكري لحركة «حماس»، قد قررت الحرب، فالاولى بها ان تدرس الاوضاع التي تخيم على المنطقة، لأن الوعود كثيرة وعند الاستحقاق لن يقف الى جانبها احد، فكل طرف مشغول بالمصائب الغارق فيها او بالمصائب المتوقعة في كل الشرق الاوسط الكبير. اما اذا كانت قررت اعتماد اسلوب ابو مصعب الزرقاوي ببث اشرطة الفيديو، كما فعلت على موقعها في 25 الجاري وبثت 42 ثانية عن الهجوم على معبر كيريم شالوم، فان هذا الامر سيحول حركة «حماس» من حركة تقاوم الاحتلال الى حركة تمارس الارهاب، ثم ان الزرقاوي كان يضحي بحياة العراقيين الابرياء، اما في غزة فان الضحايا، كما يحصل دائما هم من الفلسطينيين.

منذ ان التزمت بوقف لإطلاق النار في شهر آذار (مارس) 2005، تجنبت «حماس» قدر المستطاع ان تبدو مسؤولة عن اي هجمات تلحق باسرائيل. لكن وقعت منذ شهر كانون الثاني (يناير) عدة عمليات انتحارية وتم اطلاق سلسلة من الصواريخ انفجر بعضها في الفلسطينيين اثناء احتفالات قامت بها الحركة، وزُرعت عدة عبوات ناسفة، فيما سمحت «حماس» لمجموعات مسلحة اخرى بالإعلان عن تحمّل المسؤولية، وبنفيها لأي مشاركة تجنبت ان تكون هدفا لغارات الطائرات الاسرائيلية، وان كان سقط كثير من المدنيين الابرياء نتيجة لتلك العمليات. بعد العملية الاخيرة اختبأ عدد من قياديي «حماس» السياسيين، خوفا من ردود فعل عسكرية اسرائيلية.

كذلك حاولت «حماس» ان تميّز ما بين التنظيم السياسي وحركة المقاومة العسكرية، لكن مشاركة جناحها العسكري في عملية يوم الاحد الماضي، وضعت القيادة السياسية لـ«حماس» في مواجهة خط النار. واذا كان الفرق ليس بشديد الوضوح ما بين الاطراف السياسية وتلك العسكرية في الحركة، إلا ان الفوارق والخلافات ما بين قادة «حماس» في الداخل وقادتها في الخارج تزداد وضوحاً، ومن المحتمل جدا ان يكون الذي امر بتنفيذ عملية يوم الاحد الماضي ضد الموقع العسكري الاسرائيلي هو خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» المقيم في دمشق.

اللافت ان قادة «حماس» في قطاع غزة كانوا يتفاوضون مع قادة من منظمة «فتح» معتقلين في السجون الاسرائيلية، ويحاولون التوصل الى اتفاق يوزّع المسؤوليات الامنية بين «فتح» و«حماس»، ويضعون استراتيجية مشتركة لحل اقامة الدولتين، وبكلمات اخرى اتفاق تعترف «حماس» من خلاله ضمناً باسرائيل. ان توقيت عملية يوم الاحد يوحي بانها جاءت لنسف هذه المفاوضات وقبل ساعات قليلة من الاعلان عن الاتفاق.

في الوقت الذي تضاعفت فيه الضغوط الدبلوماسية والمالية على حكومة «حماس» لحملها على اعتماد موقف مرن من وجود اسرائيل، كان القلق يزداد لدى مشعل وبقية قيادات «حماس» في الخارج الذين يتخوفون من حتمية تهميش العملية السياسية لدورهم، وايضاً من احتمال ان يتعرضوا للاغتيال من قبل اسرائيل اذا ما عادوا الى الداخل، لذلك فان حفاظ «حماس» على خطها المتشدد يخدم مصالحهم. والمعروف ان القرارات المهمة في «حماس» يجب ان يصادق عليها المكتب السياسي ومن اعضائه مشعل، وموسى ابو مرزوق. وحسب مصادر مطلعة فإن مشكلة رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية، هي ان مشعل يسيطر سيطرة مباشرة على كتائب عز الدين القسام، الامر الذي يحد من قدرة هنية على مواجهته. ويقال إن الذي أثار غضب مشعل هو ما تردد عن العرض الذي قدمه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لهنية قبل ان يعلن عن مبادرة الاستفتاء، قال له: «بمجرد ان تضع مسافة بينك وبين مشعل، فإن فتح ستحميك من كتائب القسام» هنية رفض العرض الذي اعتبره دعوة لشق «حماس». ورغم ان قادة «حماس» في الخارج قالوا انهم دعموا توجهات هنية، الا انهم ما زالوا من ابرز الداعين الى تواجه صدامي مع اسرائيل ومع محمود عباس.

هناك فارق شاسع في تفكير هنية وتفكير مشعل، الاول يمثل بروز «حماس» السياسي في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وهو مرن نسبياً، وساعدت شعبيته على جذب ناخبين من غير المنضوين تحت مظلة «حماس» للاقتراع الى جانب الحركة. كان من اول الداعين الى انخراط الاسلاميين في النظام السياسي، وطالب ان تشارك «حماس» في انتخابات 1996 البرلمانية واعلن عن ترشيحه ثم عاد وسحبه بعدما اتخذت الحركة قرارا رسميا بالمقاطعة. مشعل كان ضد المشاركة حتى في الانتخابات الاخيرة التي فازت فيها «حماس».

كان هنية من المشاركين الاساسيين في المفاوضات التي ادارها محمود عباس ومنظمات فلسطينية اخرى في بداية عام 2005 للتوصل الى توافق عام واستراتيجية موحدة تجاه اسرائيل، واسفرت النتيجة عن اتفاق القاهرة في شهر آذار، وهو وقف فلسطيني للنار التزمت به «حماس» حتى 10 حزيران (يونيو) الجاري ، بعدما اقدمت اسرائيل على اغتيال جمال ابو سمهدانة، الذي كانت عينّته «حماس» قائداً لقوات الامن، وبعدما قصف الجيش الاسرائيلي وقتل عائلة كانت تقضي ساعات بعد الظهر على شاطئ غزة ـ وقُتل افراد هذه العائلة مرة اخرى بدم بارد عندما ادعى التحقيق العسكري الاسرائيلي ان لغماً كانت زرعته «حماس» انفجر واودى بافراد العائلة.

عندما تسلم رئاسة الحكومة، اكد هنية ان لا تدمير اسرائيل، ولا الاعتراف بالدولة اليهودية، على قائمة اولوياته، لكن «حماس» فازت على اساس برنامجها ووعودها بالتغيير والإصلاح، وواجهها العالم بطلباته وقاطعها ماديا في محاولة لعزلها ما لم تعترف باسرائيل وتنبذ العنف وتعترف بخريطة الطريق. واذا بهنية يقدم لشعبه اقل بكثير من الحكومات التي سبقته والتي اتهمت بالفساد، ويُتهم اعضاء حكومته بالسذاجة لعدم ادراكهم اصرار واشنطن على ازاحة «حماس» من السلطة، ولعدم استيعابهم رغبة اوروبا في فرض مقاطعة على الفلسطينيين والتزام الدول العربية والإسلامية بهذا القرار. وكان قد لوحظ ان مشعل والقيادات الخارجية لـ«حماس» قاموا بجولات وكذلك وزير الخارجية محمود الزهار وهو من المتشددين، ونجح الاخير في توفير مبلغ مليوني دولار فقط، في حين تحتاج الحكومة الفلسطينية لاكثر من 150مليون دولار شهريا لدفع رواتب الموظفين لديها. ان الانشقاق داخل «حماس» يزداد ترسخاً مع مرور الوقت، ويبقى السؤال عما اذا كانت اسرائيل ستأخذ هذا الانشقاق بعين الاعتبار، او ان رئيس الوزراء ايهود اولمرت يحتاج الى الرد عسكرياً ليؤكد سمعته كحامي امن اسرائيل.

منذ عدة اسابيع والتوقعات تشير الى انفجار ما قد يحدث للاطاحة بالسلطة الفلسطينية، إما عبر حرب اهلية فلسطينية او مواجهة مع اسرائيل، واليوم يعود الفلسطينيون والاسرائيليون الى دائرة العنف، وهجوم يوم الاحد الماضي هو الاول من هذا النوع منذ الانسحاب الاسرائيلي من غزة بعد احتلال دام 38سنة، ويرى الفلسطينيون ان خطف جندي اسرائيلي هو وسيلة التفاوض الانجع لإجبار اسرائيل على اطلاق سراح السجناء الفلسطينيين لا سيما النساء والشبان.

والتطور الاخير قد يقضي على عملية السلام، لان العنف سيستمر على الرغم من انسحاب اسرائيل من غزة من جهة، وبسبب ذلك الانسحاب من جهة ثانية.

ان الفلسطينيين لا يريدون ان تقرر عنهم اسرائيل حدودهم داخل اراضيهم التي احتلتها، ولا ان تحدد لهم تحركاتهم في الاراضي التي انسحبت منها، ولا ان تشرف على معابرهم، واجوائهم وتطوق بحرهم، انهم يريدون ان تكون لهم كلمة في مسألة تخصهم وتطال مستقبلهم. اما اسرائيل فانها تقول تارة إن لا شريك للسلام لدى الطرف الفلسطيني، او انها لا تريد التفاوض مع ارهابيين يسعون الى تدمير الدولة اليهودية. كل طرف يريد تربيع الدائرة. لقد خرقت «حماس» وقفا لاطلاق النار التزمت به طويلا، وخلال الايام العشرة الاخيرة قتل الجيش الاسرائيلي 14مدنيا فلسطينيا، وكل هذا سيدفع الى مناخ من اليأس. ثم ان موجة العنف الاخيرة تؤكد صحة الاخطار التي تسببها الخطوات الاحادية الجانب. لقد حفر منفذو العملية الاخيرة نفقاً تحت الجدار الامني الذي بنته اسرائيل لتحمي امنها، وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الاركان الاسرائيلي الجنرال دان حلوتس قال ان الجيش فوجىء بهجوم النفق. ولم يزد. وتقول معلومات ان السلطات الاسرائيلية لم تعرف شيئا عن النفق الذي احتاج اتمامه الى شهرين.

ربما كسبت اسرائيل معنويا، ولفترة قصيرة المدى لانها انهت احتلال غزة، لكن هذا الانسحاب لن يأتي بالسلام، بل ان اتفاقا شاملا ما بين اسرائيل والفلسطينيين هو القادر على توفير السلام الطويل الامد. محمود عباس دعا المنفذين الى اطلاق سراح ذلك الجندي المخطوف. وفي صحيفة «هآرتز» كتب المعلق العسكري زئيف شيف «هل تستطيع اسرائيل ان تتفاوض مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس اذا كان عاجزا عن منع الهجمات الفلسطينية عنها (...)؟ من المشكوك فيه ان يكون هناك سبب او هدف من التفاوض معه. علينا الاعتراف بأن اسرائيل تواجه وجودا فلسطينيا خارجا على القانون ولديه عناوين عدة. ان حماس لديها عدة عناوين»!

هناك خطر من ان تعود القضية الفلسطينية ورقة تتنازعها انظمة تعمل لحماية نفسها، وتلتقي هذه مع هدف اسرائيل في استغلال الاوضاع الاقليمية للقضاء على القضية الفلسطينية بطريقتها ومن اجل مصالحها. ان «حماس» لن تتغير بصورة جذرية ولا في وقت سريع، ولان العنف يُسوّق على انه الطريقة الوحيدة للوصول الى حل، على العالم ان لا يدفع اكثر لزيادة معاناة الشعب الفلسطيني وتجويعه، واسقاط الضحايا بين افراده. ان الدخول في الدائرة المغلقة يقضي في هذا الزمن على الطرف الضعيف، والصحيح هو أن من يدفع الفلسطينيين لهذه العمليات لن يقف معهم بأكثر من تنديد مبحوح.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-29-6-2006