كويزومي بين "النزعة اليمينية" والتحالف مع واشنطن

 

روبرت ماركاند

 

يسجل جونيشيرو كويزومي رئيس الوزراء الياباني, زيارته الرسمية الأخيرة للولايات المتحدة الأميركية, قبل مغادرته لمنصبه الحالي في شهر سبتمبر المقبل. ومع زيارته هذه ترتفع سمعته ومكانته السياسية داخلياً وخارجياً, بصفته مصلحاً سياسياً. فقد استطاع كويزومي تغيير صورة الحياد العسكري الراسخة عن اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, وذلك بإرساله جنوداً يابانيين إلى العراق. وضمن هذا التغيير فمن المتوقع أن تقدم 100 طائرة حربية يابانية الدعم العسكري اللازم للقوات الجوية العراقية في شهر يوليو المقبل. كما يزداد توطداً التحالف الحربي البحري بين واشنطن وطوكيو, بما في ذلك نشر صواريخ "باتريوت" ضد كوريا الشمالية, على رغم خفض عدد القواعد والجنود الأميركيين في قواعد أوكيناوا اليابانية.

غير أن عهد كويزومي كثيراً ما شابته الاضطرابات الناجمة عن تصاعد النزعة الوطنية اليابانية لديه, متمثلة في زياراته السنوية لضريح "ياسوكوني" الحربي في طوكيو, إلى جانب بروز نبرة الخطابية اليمينية العرقية عنده مؤخراً, مما أثار غضب الصين وكوريا الجنوبية عليه, علماً بأن هاتين الدولتين هما ممن ترغب واشنطن في التعاون معه وليس استبعاده. وعلى حد تعبير "إزرا فوجل", خبير الشؤون الآسيوية بجامعة هارفارد, فإن زيارات كويزومي لضريح "ياسوكوني" لا تخدم مصالح الولايات المتحدة, في وقت يتوطد فيه التحالف الأميركي- الياباني أكثر من أي وقت مضى. ولهذا السبب فإن على الولايات المتحدة ألا تشجع هذه الزيارات. ومضى "فوجل" مستطرداً إلى القول "إن علينا أن نخبر اليابان كدولة صديقة, أن الطريقة التي تتعامل بها مع هذا الضريح, تعقّد كثيراً عمل ومهام واشنطن في المنطقة. كما يمكننا القول إنه وفيما لو أرادت اليابان بناء علاقات صداقة راسخة في منطقة شرق آسيا, فإن هذه الزيارات الاستفزازية لدول الجوار, ليست الطريق الصحيح المفضي إلى الصداقة".

وعلى أية حال, وفيما يتعلق بزيارة كويزومي إلى الولايات المتحدة, فقد طرأ تغير طفيف على برنامجها وجدول أعمالها. فبدلاً من أن يبدأ كويزومي بمخاطبة الكونجرس الأميركي أولاً, سوف ينضم إلى الرئيس بوش في زيارة مشتركة إلى جريسلاند, حيث مقر الوحدة الجوية. وغني عن القول إن علاقة الرئيس بوش بكويزومي هي من المتانة والرسوخ, بحيث لا تضاهيها إلا علاقة بوش بحليفه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. أما على صعيد المسؤولين اليابانيين الآخرين, فلكهم حماس للحديث عن مجالات الحوار والتبادل التي تربط بلادهم بمنطقة شرقي آسيا. فهناك محادثات الطاقة وبرامج التبادل الثقافي, زد عليها علاقات التمثيل الدبلوماسي المتعدد المستويات. إلى ذلك كله تعد اليابان أكبر دولة مساهمة في تقديم المعونات الإنسانية على نطاق القارة الآسيوية. ولذلك فإن من رأي هؤلاء المسؤولين أنه ليس من الملائم إصدار أحكام جائرة مجحفة بحق اليابان بسبب الضريح الحربي وحده.

ومن جانبه صرح يوشنيرو كاتوري السكرتير الإعلامي لوزارة الخارجية اليابانية قائلاً: "إن هناك أصواتاً ووجهات نظر متباينة في اليابان. غير أن الأكثر رجوحاً هو تقدم علاقات اليابان مع جاراتها الآسيويات إجمالاً". إلا أن عواصم دول منطقة شرق آسيا, لا تزال تنظر بصفة عامة إلى زيارات الضريح هذه على أنها إنكار مستفز لحقيقة العدوان الياباني الغاشم على دول الجوار في الحرب العالمية الثانية. يذكر أن محكمة يابانية عليا رفضت مؤخراً التقرير فيما إذا كانت تلك الزيارات تشكل خرقاً غير دستوري لكل من مبادئ الدولة والكنيسة. ومع زيارة كويزومي السنوية الرسمية الأخيرة للضريح نفسه في الخامس عشر من شهر أغسطس المقبل, فإنه يتوقع لهذا الخلاف أن يزداد حدة ومرارة, على الصعيدين الداخلي والإقليمي على حد سواء.

وبحكم القواعد التي يحتكم إليها "الحزب الليبرالي الديمقراطي" الحاكم, فإنه لا يجوز لكويزومي الترشح لدورة ثالثة في منصبه الحالي. ولذلك فقد صرح هو نفسه بتنحيه عن المنصب بحلول شهر سبتمبر المقبل, رغم أنه حقق فوزاً ساحقاً غير مسبوق في تاريخ الانتخابات اليابانية, أهَّله للاستمرار في دورته الأخيرة الحالية. والمشكلة التي سيخلفها كويزومي وراءه أنه سيترك المنصب وسط أجواء ومناخ سياسي طرأ عليه تحول ملحوظ باتجاه اليمين. ذلك أن خلفه في المنصب وفي قيادة الحزب هو شينزو آبي سكرتير مجلس الوزراء. والمعروف عن "آبي" أن والده كان عضواً بمجلس الوزراء إبان الحرب العالمية الثانية, إلى جانب انتماء "آبي" إلى جيل جديد من الوطنيين الذين لا تلين لهم قناة, إلى درجة أنه لا يتردد في وصف الصين علناً بأنها تشكل "خطراً أمنياً" على بلاده.

وفي غضون الأشهر القليلة الماضية, اتخذت التكهنات بنتائج الانتخابات اليابانية المقبلة منحى جديداً غير متوقع بتاتاً, إذ علت أسهم ياسو فوكودا, منافس "آبي" في خلافة كويزومي في المنصبين المذكورين. على أن هذا التحول لا يزال قاصراً على دوائر الحوار الداخلي في أوساط "الحزب الليبرالي الديمقراطي" فحسب. غير أن "آبي" لا يزال يحرز تقدماً على المستوى الشعبي العام, وفقاً لما تشير إليه كافة استطلاعات الرأي العام التي أجريت مؤخراً. ولعل سبب ذلك يعود إلى تصاعد الثقة الشعبية في "آبي" الذي يرجح تصديه الحازم لأي خطر أمني, خاصة بعد نشر بيونج يانج لصواريخ "تيبودونغ2" البعيدة المدى, ووضعها على أهبة الانطلاق باتجاه اليابان.

مراسل صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" في طوكيو

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-29-6-2006