مقالات و محاضرات

 

 

طغاة في قبضة العدالة

 

جوزيف بشارة

 

سلوبودان ميلوسيفيتش، صدام حسين وتشارلز تايلور رؤساء دول سابقون تربط بينهم عوامل مشتركة منها نظمهم الإجراميةسيئة السمعة، وتلوث أياديهم بدماء الأبرياء، وتقديمهم للمحاكمة أمام محاكم وطنية أو دولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية يندى لها الجبين. ميلوسوفيتش، الذي كان السند الرئيسي للقوات الصربية في الحرب الأهلية التي دارت في يوجوسلافيا السابقة قبل خمس عشرة سنة، تمت محاكمته أمام المحكمة الدولية في هيج بهولندا بتهم التطهير العرقي وارتكاب جرائم حرب في إقليم كوسوفا، ولكنه توفي في سجنه قبل أن تصدر المحكمة حكمها في التهم التي وجهت إليه. صدام حسين، الذي حكم العراق بقبضة من حديد نحو ربع قرن من الزمان وراح ضحية حكمة عشرات الألاف من الأبرياء، قامت القوات الأمريكية بتحرير الشعب العراقي من نظامه الدكتاتوري عام 2003، وألقت القبض عليه في ديسمبر من نفس العام، وقدمته للعراقيين لمحاكمته التي لا تزال تراوح مكانها بعد مرور نحو عامين من بدئها. أما تشارلز تايلور فقد ترأس دولة ليبيريا التي تقع في غرب أفريقيا لمدة ست سنوات بدات عام 1997 عندما تمكن من الاستيلاء على الحكم بعد حرب أهلية ضارية ضد قوات الرئيس الأسبق صموئيل دو، وقد تخلى تايلور عن الحكم عام 2003، قبل أن يقبل بالنفي الإجباري في نيجيريا الذي انتهى بالقاء القبض عليه قبل شهرين بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين في الحرب الأهلية التي دارت بدولة سيراليون المجاورة لليبيريا، وقد تم الأسبوع الماضي ترحيله إلى هيج بهولندا ليواجه محاكمة دولية بشأن هذه الجرائم.

إمتنع المجتمع الدولي في الماضي عن التدخل في عزل النظم الدكتاتورية والإجرامية، باستثناء بعض المحاولات التي ارتبطت مباشرة بالمصالح الاستراتيجية للقوى العظمى. وفي جميع الحالات التي أفضت إلى تخلي الحكام الطغاة من مناصبهم فقد ابتعد المجتمع الدولي عن تقديم قادة هذه النظم للعدالة الدولية، فرجل تشيلي القوي السابق الجنرال بينوشيه، وعيدي امين دكتاتور أوغندا السابق، وموبوتو سيسيسيكو طاغية زائير وغيرهم من الطغاة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وأسيا، الذين ارتكبوا جرائم راح ضحيتها مئات الألاف من شعوبهم، لم يقدموا للعدالة، بل أن دولاً ضمنت لعدد منهم حق اللجوء السياسي مقابل تخليهم عن السلطة. ولكن جاءت فترة مابعد انتهاء الحرب الباردة لتشهد تغيراً في الطريقة التي تعامل بها المجتمع الدولي مع النظم الدكتاتورية، فبدأ النظام العالمي الجديد، الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة؛ القوة الأوحد في العالم، يلعب دوراً أكبر في عمليات إحلال الديمقراطية واستبدال النظم الدكتاتورية بنظم حرة في دول العالم الثالث. غير أن النظام العالمي الجديد لم يكن مخلصاً تماماً في تبنيه لمشاكل العالم الثالث، فقد بقي التخلص من النظم الدكتاتورية والإجرامية مرتبطاً بشكل كبير بالمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية للقوى الدولية المؤثرة. فقد امتنع المجتمع الدولي عن التدخل في شئون بعض الدول حماية لمصالحه السياسية والاقتصادية التي تحميها النظم الدكتاتورية، كما في عدد من دول الشرق الأوسط، كما امتنع عن التدخل في المناطق التي لا تشكل عنصر جذب سياسي واقتصادي كما في أفريقيا.

لقد كانت المصالح السياسية والاقتصادية وراء مساعي الغرب الحثيثة للتخلص من سلوبودان ميلوسيفيتش وصدام حسين، حيث جاءت محاكمة ميلوسيفيتش بدافع القضاء من أحد العناصر المثيرة للقلق في القارة الأوروبية، بينما جاء التخلص من صدام حسين بغرض إحلال الاستقرار في منطقة الخليج الغنية بالنفط. أما التخلص من تشارلز تايلور فكان بدافع مختلف، ربما لم يعتده المجتمع الدولي، وهو تطبيق مبادئ القانون الدولي التي تدعو لمحاكمة مجرمي الحرب الدوليين. فليبيريا التي ترأسها تايلور، وسيراليون التي ارتكب فيها تايلور جرائمه ليستا بدولتين بتروليتين مؤثرتين (كما في حالة العراق)، كما أنهما ليستا بدولتين أوروبيتين مهمتين (كما في حال صربيا)، وإنما هما دويلتان صغيرتان فقيرتان طحنتهما حربان أهليتان منذ نهاية ثمانينات القرن العشرين. لذا فإن محاكمة تشارلز تايلور تاتي لتشكل تغيراً ملحوظاً في منهج المجتمع الدولي في مطاردة الطغاة وإخضاعهم لمحاكمات دولية دون الالتفات إلى المصالح السياسية والاقتصادية، وهو الامر الذي تم تجاهله والتنكر له كثيراً.

تطرح مسألة عزل وتقديم الرؤساء سيئي السمعة للعدالة تساؤلاً مهماً حول الوسيلة الأمثل لتدخل المجتمع الدولي لعزل الطغاة وتقديمهم للعدالة، فهل يتم ذلك عبر التدخل العسكري كما في حالة صدام حسين أم عبر الضغوط ومساعدة المجتمعات المحلية في التخلص من الطغاة كما في حالة ميلوسيفيتش وتايلور؟ لقد أثارت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش غضباً عالمياً واحتجاجات دولية عندما قامت بغزو فردي للعراق لعزل صدام حسين. فعلى الرغم من معاناة الشعب العراقي من حكم الطاغية العراقي، وعلم المجتمع الدولي بأن صدام حسين لم يكن ليتخلى عن السلطة بالطرق السلمية، إضافة إلى أن الشعب العراقي لم يكن ليقوى على الإطاحة بنظام حزب البعث البوليسي، إلا أن الحرب في العراق بقيت رمزاً للهيمنة الأمريكية ولم تكن أبداً برأي المجتمع الدولي حرب تحرير كما أرادت إدارة الرئيس بوش. لقد اثبتت الحرب في العراق عدم شعبية التدخل العسكري الدولي في الشئون الداخلية للدول حتى وإن كان تحريرها من إجرام النظم الدكتاتورية أحد مظاهرها. وإذا كان عزل صدام حسين قد تم بالوسائل العسكرية، فإن عزل ميلوسيفيتش وتايلور قد تم بالضغوط السياسية والاقتصادية فقط، بغض النظر عن قصف صربيا من قبل الناتو الذي تم في مرحلة مبكرة، عام 1995، بغرض إنهاء الحرب في يوجوسلافيا السابقة وليس عزل ميلوسيفيتش. ولكن هل يرضخ كل الطغاة للضغوط السياسية والقتصادية الدولية كما فعل ميلوسيفيتش وتايلور؟ صدام حسين لم يفعلها رغم الضغوط التي استمرت نحو ثلاثة عشر عاماً، وبالمثل معمر القذافي الذي تم حصاره سياسياً واقتصادياً ما يزيد عن خمس عشرة سنة.

لا شك أن محاكمة رموز الظلم والجريمة والدكتاتورية الثلاثة ميلوسيفيتش وصدام حسين وتشارلز تايلور تعد عملاً إيجابياً بكل المقاييس، يعيد للعدالة سمعتها التي تلوثت طويلاً بدماء الملايين من الأبرياء نتيجة جرائم حرب وإجراءات تعسفية وممارسات ظالمة ارتكبها هؤلاء الطغاة. ولا شك في أن محاكمة الرؤساء السابقين الثلاثة تشكل نوعاً من الردع للطغاة الذين لا يزالون يحكمون بلادهم حتى يومنا هذا حتى يتوقفوا عن قمع شعوبهم. ولكن هل يتساوى الطغاة أمام المجتمع الدولي في المسئولية عن الجرائم التي يرتكبونها بحق شعوبهم؟ وهل يتم توحيد معايير تطبيق مبادئ القانون الدولي على الطغاة؟ وهل يتحد العالم خلف وسائل لإجبار الطغاة على الرحيل؟ وهل يتوقف المجتمع الدولي وبخاصة القوى العظمى عن التنازل عن مبادئه نظير بعض المكاسب السياسية والاقتصادية؟ وهل تنجح الضغوط السياسية في تخليص الشعوب المقهورة من الطغاة؟ من المؤسف أن ميلوسيفيتش وصدام حسين وتشارلز تايلور الذين تم عزلهم ومحاكمتهم بمساعدة المجتمع الدولي لا يزال لهم نظراء كثيرون اليوم في العديد من دول العالم الثالث. من المؤكد أن توافقاً دولياً شاملاً حول وسائل تخليص العالم من الطغاة سيفتح أبواب الحرية أمام شعوب ترزح منذ زمن طويل تحت حكم نظم دكتاتورية دموية بغيضة. ومن المؤكد أن تغليب مصالح الشعوب ومبادئ القوانين الدولية على المصالح السياسية والعوائد الاقتصادية سيعيد الأمل إلى الشعوب المقهورة. ولعل مساعدة المجتمع الدولي في التخلص من تشارلز تايلور وتقديمه للعدالة تكون البداية الحقيقية لالتفات المجتمع الدولي إلى الطغاة الذين يستمرون حتى يومنا هذا في ارتكاب جرائم تخجل منها الإنسانية كما في المجازر التي ترتكب في إقليم دارفور السوداني التي تقوم بها عناصر مدعومة من نظام الحكم في الخرطوم، وغيرها من الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث هنا وهناك. فهل تكون محاكمة تشارلز تايلور جرس إنزار لطغاة اليوم؟

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: إيلاف-28-6-2006