اقتصادنا على المكشوف

 

د. هادي حسن عليوي

 

اتخذت دول العالم الحديث نموذجين للاقتصاد، فالعالم الغربي اعتمد نظام الاقتصاد الحر، او ما يسمى بـ(اقتصاد السوق)، اما العالم الشرقي فاتخذ الاقتصاد الاشتراكي، او ما يسمى بـ(الاقتصاد الموجه)، اما بلدان العالم الثالث، التي بدأت تظهر منذ ثلاثينيات القرن الماضي، فقد ضاعت بين هذين النموذجين، فبعضها بنى اقتصاده على نظام اقتصاد السوق مع خصوصية وضعه الاقتصادي والسياسي، فيما اخذت بلدان اخرى بالاقتصاد الاشتراكي مع تعزيز سطوة الدولة على الحكم والاقتصاد، مما افقده السمة الاشتراكية ليشكل ما يسمى برأسمالية الدولة وتهميش القطاع الخاص.

اما العراق فقد ضيع (المشيتين)، فلا اعتمد اقتصاد السوق ولا الاقتصاد الموجه، لقد قامت الدولة العراقية الحديثة، وهي تحت السيطرة البريطانية سياسيا، والشركات النفطية الاحتكارية اقتصاديا، وحتى عندما ازدادات عائدات النفط واسس العراق مجلس الاعمار عام 1951 فقد ظلت برامج ومشاريع هذا المجلس تحت رحمة الشركات النفطية.

سقط النظام الملكي، ولا يعرف حتى الاقتصاديون طبيعة النظام الاقتصادي في العراق ولا حتى ملامحه.. واذا استطاعت حكومة عبدالكريم قاسم (1958 ـ 1963)  تحقيق الاستقلال السياسي واستعادة الاراضي غير المستثمرة من شركات النفط، فقد بقي اقتصاد البلد يتخبط بين قانون الاصلاح الزراعي وهم بناء النظام الاقتصادي والسياسي، ولم تتوضح صورة للاقتصاد العراقي الجمهوري، واخذ هذا الاقتصاد بالانحدار، والفوضى وتوسع تدخل الدولة وسيطرتها بعد تأميم الشركات والمصارف الاهلية والاجنبية عام 1964 في محاولة لاقامة اقتصاد موجه لكن الحكومات (1963 ـ 1968) فشلت وعجز الاقتصاد العراقي  ان يحقق اية خصوصية او تقدم، وظلت الفوضى هي سمة ذلك الاقتصاد.

وبعد عام 1968 حاولت الحكومة تعزيز سطوتها الاقتصادية ليس عن باب اقامة اقتصاد اشتراكي علمي، بل من اجل توفير مستلزمات القوة السياسية والاقتصادية للحكم، لذا كان البناء الجديد للاقتصاد مشوها، وعندما ازدادات الموارد النفطية اثر فورة اسعار النفط عالميا منتصف السبعينيات لم تستثمر هذه العائدات للتنمية والاصلاح الاقتصادي بل لاغراض التسلح والحروب، وبالتالي ضاع الاقتصاد وضاع المواطن.

ومنذ سقوط النظام السابق وحتى يومنا او حتى مستقبلنا القريب لا توجد اية سياسة اقتصادية واضحة، فلا نحن نبني اقتصاداً شموليا ولا اقتصاد سوق، ولا حتى السير بخطوات واضحة نحو اقتصاد السوق او اية خطط للاصلاح الاقتصادي فقد ضيعنا (المشيتين)، وما زلنا ننتظر واردات النفط والمنح الدولية، ونلهث لتخفيض الديون، التي هي في الاصل ديون بغيضة وعدوانية وغير مشروعة.

عماد اقتصادنا، اليوم، فساد مالي مستشر من القمة حتى القاعدة، وفوضى اقتصادية، ومحاصصة وتهريب نفط، وكل محافظة تحاول الاستحواذ على اكثر من حقوقها، ويا ليت هذه الاموال تذهب للإعمار والبناء.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر:جريدة الصباح-28-6-2006