مقالات و محاضرات

 

 

الخط الفاصل‏!‏

 

د‏.‏عمرو عبدالسميع

 

كل مرة أطرح فيها موضوع شكل المباني في مصر في أحياء وعشش الفقراء المعوزين‏,‏ أو مدن ومنتجعات القادرين الميسورين‏,‏ أواجه تصنيفا يحاول حشر هذا الملف ـ جبرا واعتسافا ـ في خانة ما هو ترفي أو كمالي‏,‏ بعد أن تتم جرجرته ـ عنوة ـ من خانة ما هو ضروري وأساسي‏.‏

أجدني أمام ضرورة اشتباك مع رطان معيب عجيب يحمل ألوانا من المنطق المعوج‏,‏ وثقافات عليلة نمت واستشرت علي امتداد عقود وقد دكت أساساتها وفقا لفكر إختراع الأسباب والمبررات والذرائع‏,‏ وإذاعة وإشاعة ثقافة القبول والاعتياد‏,‏ لا ثقافة الحلم والتمرد والتغيير‏,‏ وكأن مصر بطابقيها العلوي حيث الأغنياء والسفلي‏,‏ حيث الفقراء ينبغي أن تقبل شكل مبانيها علي النحو الحادث وتعتبره لونا من ألوان القدر المقدور‏,‏ الذي يعني النزوع نحو تغييره تجديفا أو كفرانا‏,‏ أو خوضا في أمور نهينا عن الخوض فيها كثيرا‏!!‏

التبريرات غامرة وهي تتكاثر بوحشية سواء فيما يخص عمارة الفقراء أو عمارة الأغنياء رافعة شعار وجوبية بقاء الحال علي ما هو عليه‏.‏

منها ـ علي سبيل المثال ـ أن الفقراء لايرون أن مساكنهم قبيحة ومن ثم فإنها تزعج أمثالنا فقط حين يمرون في الطريق الدائري فيشاهدون مساكن العشوائيات وقد تساندت في تهالك‏,‏ بواجهات الطوب الأحمر القميئة التي لم يملطها أحد ولم يطلها أحد كذلك‏,‏ بل إن المحاججة واللجاج امتدا ليشيرا إلي انعدام وجود مبرر لتنظيف بنايات الأغنياء أو تمليط وطلاء جوانبها وبالذات ـ طالما أصبح القبول أو الإذعان لثقافة الأمر الواقع والإقرار بشكل مساكن الفقراء الحالي هو الإجابة المطروحة علي القبح لاحظ أن تلك ربما تكون حالة التراضي الوحيدة علي المساواة في هذا المجتمع‏!.‏

بعبارة أخري نحن أمام ثقافة للقبول والاعتياد وقتل الميل إلي التغيير أو التمرد‏,‏ أو البحث عن خيار أفضل‏,‏ ولقد خلقت تلك الثقافة أدواتها المتمثلة في منظومة الذرائع التي يروج لها المروجون ما إذا تم فتح الملف أو تقليب أوراقه‏,‏ فهناك من يقول أن إيجارات المساكن المنخفضة التي فرضتها قرارات ذات طابع إشتراكي هي المسئولة عن كل مصائبنا‏,‏ كانت السبب في عدم صيانة المباني أو تجميلها‏,‏ لأن ما يتحصله المالك من إيجار لايفي بذلك الاحتياج علي الرغم من أن مساكن التمليك التي تشغل أحياء بأكملها أصبحت بأكوام الأتربة علي سطوح جدرانها وواجهاتها نصبا تذكاريا للقذارة ترصعها لافتات الأطباء والمحاسبين والمحامين والشركات لتجعلها أكثر قبحا‏,‏ ثم تضئ لمبات النيون لتنطفئ وتضئ مثل علب ليل في الدرجة العاشرة‏,‏ وتوحي ـ دائما ـ بأن فعلا مشينا ما يجري بداخلها‏,‏ أو هو ـ علي الأقل ـ عمل غامض وقبيح ينتمي إلي قوائم أعمال ينبغي الاعتذار عنها‏.‏

ثم إن هناك من يقول ـ ضمن منظومة الذرائع ـ إن المشروع المصري ـ الفرنسي الذي رافق تشغيل خط مترو الانفاق الأول‏,‏ وعرفه الناس باسم مشروع‏:‏ أزيلوا الغبار كان تجريحا كافيا لأنه ـ في ذاته ـ ينشر عدوي النظافة والجمال‏,‏ ويعلم الناس أهمية أن تكون منازلهم نظيفة وجميلة‏..‏ ولكن‏..‏ أولا‏:‏ لم نشهد انتقالا للعدوي‏,‏ فالمساكن التي طليت مازالت هي‏,‏ أو زادت بنسب طفيفة جدا لا يمكن استشعارها‏,‏ ثم ان لنا اعتراضات علي طريقة طلائها التي لم تحفل كثيرا أو قليلا بترميم زخرفها‏,‏ أو مطلاتها‏,‏ أو أسوارها‏,‏ أو بسطات شبابيكها‏,‏ ثم إنها طليت علي طريقة إسدال ستار لمدارات القبح من دون محاولة لإزالة القبح ذاته‏,‏ إذ ظل الصف الثاني والثالث والرابع من المباني يطلون بوسخهم البشع من خلف المباني التي طليت‏,‏ بل وأكدت نظافة طلاء الصف الأول قذارة ما وراءها‏,‏ فيما أظهره وألقي الضوء عليه تفاوت ارتفاعات المباني‏,‏ أماما وخلفا‏,‏ بحيث أصبحت القذارة تطل بوجهها المقرف علي امتداد أفق المباني سعيدة الحظ التي تقرر تنظيفها‏,‏ ثم ان سعيدة الحظ ـ تلك ـ لم يكتمل طلاؤها من الجوانب‏,‏ بما جعل الموضوع كله مسخرة وترقيع لامزيد عليهما‏.‏

نريد تنظيف حي بأكمله‏,‏ علي بعضه‏..‏ نريد كتلة نظيفة مرممة وجميلة‏,‏ وساعتها ـ ربما ـ يصبح من المجدي الحديث عن انتقال عدوي النظافة‏.‏

وتأتينا حجة أخري من فقهاء التنظير لثقافة القبول والاعتياد بدلا من فكر الحلم والتغيير لتقول لنا إن ما نطرحه يعكس خللا أكيدا في الأولويات‏,‏ إذ إن الناس تريد أن تأكل وتشرب لا أن تطلي بيوتها وتتأنق‏..‏ وتلك الحجة هي من أسخف ما يسود حياتنا المعاصرة من أفكار في اللحظة الراهنة إذ تعمد إلي تخيير الناس بين الضرورات بإعتبار ايهما بديلا عن الآخر‏!!‏

إن المرء ليحار أمام مؤسسة البيروقراطية المصرية صاحبة حقوق الملكية الفكرية‏!!‏ في إبداع تلك النظريات المقرفة‏:‏ ولماذا لا يأكل الناس ويشربون ويسكنون بيوتا جميلة ونظيفة في نفس الوقت؟ وهم عادة ما يتحصنون أمام سؤال كهذا بسؤال آخر‏:‏ ومن أين نأتي بالأموال التي تلبي كل تلك الاحتياجات مترافقة أو علي بعضها؟‏,‏ وهو منطق أغيظ من ذلك الذي استولد السؤال الأول فليس الناس هم المطالبون بتقديم مثل تلك الحلول‏,‏ ومع ذلك فإنني اقدم حلا ابتدائيا يقوم علي خفض الانفاق الحكومي‏,‏ وبالذات في مباني الدولة التي أصبحت شواهد علي السفه المخيف في الانفاق‏,‏ والذي يقدم لنا ـ بالمناسبة ـ مباين قبيحة في التحليل النهائي‏,‏ كل ما في الأمر أنها مكسوة بالرخام بالذات الرخام‏..‏ لانعرف لماذا؟‏,‏ أوئيلو واجهاتها بأنواع من الزجاج المعتم المستورد غالي الثمن‏..‏ ثم مرة أخري‏,‏ أنوار تضئ وتنطفئ لتسحبنا إلي جو الملاهي الليلية المنحطة‏,‏ ولا توحي بأي عمل جاد يمكن أن تثري وقائعه داخل هاتيك المباني‏,‏ وأنا ـ فيما أعرض ـ تلك الذرائع والاسباب التي تتمسك بها البيروقراطية لتبرير فكر الضرورة في مواجهة الحرية‏,‏ أو الخضوع لثقافة القبول والاعتياد بدلا من التغيير والتمرد والإختيار الحر بين بدائل‏,‏ ألاحظ أن المجهود المبذول في اختراع وهندسة مثل تلك الذرائع‏,‏ والاجتهاد في اقناع الناس بها وتبليغهم لها أكبر بكثير من المجهود الذي يمكن بذله لابتكار حلول أو حشد ملكات الناس للمشاركة في بناء تصورهم عن الحياة وتحقيقه‏,‏ بدلا من تقديم حلول سابقة التجهيز قائمة علي تجميل كل شئ‏,‏ والاخذ بالأسهل والآمن‏,‏ والتقليدي‏,‏ والممكن‏,‏ والاحوط‏,‏ والأكثر ثباتا واعتيادية‏..‏ ثم تجيئنا حجة مزدوجة‏(‏ إذا جاز التعبير‏)‏ يقول أحد رأسيها إن قاطني عمارات التمليك لايشاركوا في تنظيفها لان الناس ـ في مصر ـ لم يتعودوا العمل الجماعي‏,‏ وهذا أمر ـ هو الآخر ـ يتشح بعباءة سخافة ليس لها نظير‏..‏ لأنه إذا كان الناس لم يتعلموا العمل الجماعي فهذا يعني قصورا وتقصيرا في أداء معظم أجهزة ومؤسسات الدولة تعليما وثقافة وإعلاما والتي لم تنجح في تعويد الناس العمل الجماعي في ملفات كثر‏,‏ أحدها نظافة المسكن الذي يقطنون‏..‏ إذ سادت قيم الإهمال الإجرامي ومعانقة القذارة أو النوم في ظلالها الوارفة ـ لعقود ـ بين أولئك الناس‏,‏ من دون أن يظهر لديهم‏,‏ إحساس مهما كانت طبقتهم الاجتماعية أو قدرتهم المادية إزاء مواجهة القذارة أو ازالتها‏..‏ فقط إستسلم الناس لكسلهم‏,‏ ولفكرة كراهية الآخر‏,‏ فيما لو كان أحد جيرانهم ـ بحيث لايتعانوا معه في عمل‏,‏ ولا ينجزون أمرا يشاركهم أو يقاسمهم نتائجه‏,‏ ولا يتفاوضون معه حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن يلعبه كل منهم في أي عمل مشترك حتي لو كان مجرد تنظيف البناية التي يسكن فيها الجميع‏..‏ أما الرأي الثاني في تلك الحجة المزدوجة فهي أن الاغنياء لا يجب مطالبتهم بالتبرع لصالح هكذا ملفات‏,‏ فهم منهكون من كثرة التبرعات‏,‏ وأنهم في قائمة تبرعاتهم للفقراء لايضعون مسألة جمال البيئة المعمارية الحاضنة في أدمغتهم كأولوية أولي‏.‏

ومرة أخري يتصرف الأغنياء بنفس منطق نجوم البيروقراطية‏,‏ فيصرون علي التعامل مع الإحتياجات الأساسية للناس بما فيها الجمال بإعتبارها بدائلا يختار الشعب بينها‏.‏

نحن لا نطرح حين نتحدث عن الجمال أن تتم تكسية واجهات بيوت الفقراء بالرخام أو الزجاج المعتم أو الحجر الهاشمي‏,‏ وأن تحوطها الأنوار تضئ وتنطفئ علي ذلك النحو السقيم القبيح‏,‏ ذي الدلالات المنتمية للصورة النمطية للكباريه بأكثر منها صورة المسكن أو المبني الإداري أو المبني الحكومي‏,‏ ولكننا نطرح إضفاء اللون علي الحياة الكالحة للفقراء‏,‏ وتأسيس وتكريس قيم النظافة‏..‏ نحن لانبحث عن مشهد يرضي نفوسنا ويريح أعصابنا ونحن نمرق بسياراتنا مسرعين عبر الطريق الدائري‏,‏ ولكننا نبحث عن تخليق بيئة تنتج الاسوياء لا القنابل البشرية الموقوتة التي تكره لا تحب‏,‏ وتنعزل لا ترتبط‏,‏ وتشيح بوجهها لاتقبل بوجود ساكني الطابق العلوي من الوطن‏.‏

إحتياجات الناس كثيرة‏..‏ هذا صحيح‏,‏ ومن ثم فإن حصة الأغنياء الذين يعيشون مع الفقراء في وطن واحد كبيرة في الوفاء بأنصبتهم لتمويل الحلول‏..‏ هذا قدر الجميع‏,‏ وعليهم الانصياع له وليس مراوغته والإختباء خلف سواتر الذرائع والحجج البائخة التي من فرط تهافتها صارت طنينا وزنا متواصلا في خلفية المشهد العام في مصر‏,‏ لا يصيخ الناس السمع إليه‏..‏ ولا يفسروا مفرداته‏,‏ فلا ينتبهون إن استمرت‏,‏ ولا يحفلون إن توقفت‏.‏

أنا لا أدعو ـ فقط ـ إلي التصدي لما أثمره فقه الاعتياد والقبول مشاهد القبح في المناطق الفقيرة بعواصم ومدن هذا البلد‏,‏ ولكنني أدعوكم أن تدققوا النظر في مباني المهندسين ومدينة نصر‏,‏ ومساكن البالون في العجوزة أو صقر قريش خلف شيراتون مصر الجديدة‏,‏ لتروا معنا آيات القبح وقد تجلت والتي يبدو وبحيث يبدو انخراط نجوم البيروقراطية‏,‏ أو رموز المتمولين المصريين في تقديم المبررات والأسباب والذرائع لها‏,‏ وكأنه صلاة متبتلة في هيكل ذنوب وخطايا اجتماعية‏,‏ وثقافية‏,‏ ووطنية‏.‏

أو هو في عبارة أخري عبور للحد الفاصل بين الحلم بالتغيير وثقافات القبول والاعتياد‏!‏

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الأهرام المصرية-27-6-2006