مقالات و محاضرات

 

 

«اخوان» الاردن بين تيار «حماس» وهواجس السلطة

 

رنا الصباغ

 

بدايات مواجهة في الاردن قد تصل الى كسر عظم بين السلطة والاخوان المسلمين، بعد أكثر من ستة عقود من التعايش الإيجابي بين هؤلاء والنظام الهاشمي، وذلك ضمن معادلة جديدة لإعادة صياغة العلاقة بين الطرفين في زمن تغيرت فيه أولويات المصلحة الوطنية من منظور كل جهة، وبات التنظيم يتبنى حركة «حماس» ظالمة او مظلومة، ولو على حساب الاردن.

لعل اكثر ما يقلق السلطات هذه الايام سلسلة سياسات استفزازية تعكس اختراق «حماس» التنظيمي لبنية حزب جبهة العمل الاسلامي، الذراع السياسية لجماعة «الاخوان»، اذ أشتد عود تيار قيادي جديد موال للحركة الفلسطينية، ومتعاطف مع فكر تنظيم «القاعدة»، في ظل تغيّر عميق في تركيبة القواعد الشعبية وآليات صنع القرار الرسمية باتجاه التشدد والابتعاد عن تكتيك السياسات المهادنة كسباً للوقت.

الآن حان وقت فتح ملف «الاخوان»، لتحديد اطر العلاقة الجديدة واستصدار قرار واضح برفض الارهاب، وعدم ربطه بالمقاومة، والتبرؤ من كل نشاطات دعم الارهاب الفكري والايديولوجي، وعدم السماح بصدور تصريحات تبريرية او تحريضية او مؤيدة لقتل المدنيين وتكفيرهم. والأهم وقف تحدي مبادئ الدولة.

بوادر التصدع بين الحكومة والتيار الاسلامي المتنفذ، التي تنامت منذ أبرم الأردن معاهدة سلام مع اسرائيل عام 1994، بانت واشتدت خلال الشهرين الماضيين عبر سلسلة من التحركات الإسلامية رأت فيها الحكومة محاولة منسقة ومقصودة لفرض الهيمنة على شارع محبط ومتخندق. كذلك اعتبرت هذه التحركات استقواءً غير معهود على السلطة، بعد نجاح حركة «حماس» الشقيقة في الانتخابات التشريعية الاخيرة في الأراضي الفلسطينية، وتداعيات ذلك على مشهد الاسلاميين في الاردن.

لعبة شد الحبل بدأت مع نشوة انتصار «حماس» عندما قال رئيس كتلة جبهة العمل الإسلامي عزام الهنيدي إن التيار الاسلامي في الأردن بات «جاهزاً» لتسلم السلطة التنفيذية التي يرأسها الملك عبدالله. ثم جاء الإصرار الاخواني على انتخاب المتشدد زكي بني ارشيد، من الصف الثاني، كأمين عام جديد للحزب، بخلاف رغبة تيار الاعتدال (غالبيته شرق اردنية)، وبعد تحذير علني من الدولة، بسبب حماسه لـ «حماس»، ومزاعم حول دعم خفي يسبغه على خلايا «حماس» في الجسم الاردني. ثم جاء الدحض السريع للرواية الرسمية عن ملف تهريب الأسلحة المضبوطة، التي قيل أن بعض قادة حركة «حماس» في دمشق كان وراءها، بقصد أستخدامها في عمليات ارهابية ضد الاردن. ومن دون العدّ للعشرة، تبنت الجبهة موقف «حماس».

بعد ذلك جاءت دعوة غير مسبوقة من الحزب الى عصيان مدني للاحتجاج على رفع أسعار المحروقات في نيسان (إبريل) الماضي، وسط مزاعم عن تحرك عدد من أعضائه وكوادره في الأحياء الشعبية لإجبار بعض المحلات على تنفيذ دعوات الحزب بالاغلاق.

وأخيراً جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير، من خلال زيارة تعزية قام بها أربعة نواب من الجبهة لمنزل عائلة ابو مصعب الزرقاوي، بعد مقتله في غارة جوية اميركية قبل عشرة ايام، وإصرار النائب محمد ابو فارس، أهم رموز تيار الصقور داخل الجبهة، على منح الزرقاوي لقب «مجاهد وشهيد» في موقف قسّم الشارع وأجج غضب اهالي الضحايا الذين سقطوا في تفجيرات الفنادق الثلاثية التي أعلن الزرقاوي مسؤوليته عنها قبل ستة شهور في عمان. أحيل الاربعة الى المدعي العام بتهمة التحريض وإثارة النعرات الطائفية، وكشفت القضية عن تشوّش في الحركة وتداخل مقلق بينها وبين التطرف مع تداخل اكثر خطورة في موضوع الحلال والحرام، اذ لم تعد هذه المواقف محصورة بالتيار السلفي الجهادي، وانما امتدت الى حركات اسلامية يفترض انها مع الاعتدال والوسطية.

وقع «الاخوان» والجبهة في خطأ استراتيجي سيكون من الصعب تصحيحه من دون دفع ثمن غال، قد يأتي على حساب التيار الوسطي المعتدل داخل هذه الحركة. إذ وجد هذا التيار نفسه بين مطرقة المتشددين الجدد وسندان ضرورة الحفاظ على موقف موحد ومتماسك، في مواجهة الحملة الرسمية ضدهم، لئلا يفقد مصداقيته امام قواعده غير الراضية عليه بسبب سياسات التعايش المزمن مع الدولة.

الأردن الرسمي لا يبدو أيضاً أنه في طور المهادنة هذه المرة، والأمن سيبقى المدخل الوحيد للعلاقة مع الاسلاميين الذين عليهم الاختيار بين استمرارهم كحركة سياسية «تعارض لمصلحة الوطن، او تعارض بدافع الهدم»، بحسب اصحاب القرار. فالارهاب ليس السبيل الاوحد لنصرة الاسلام.

في خلفية المشهد السياسي والاقتصادي الاقليمي تغيرات تتطلب من الاردن تعديل أولويات سياساته الداخلية والخارجية، للحفاظ على مصالحه الوطنية وأمنه القومي، حتى لو جاء ذلك على حساب علاقات جيدة مع الاسلاميين، وهم جزء مهم من النسيج الوطني والرقم الاصعب في معادلة السياسية الداخلية.

الدولة تدفع الآن الى استصدار موقف علني من الجبهة و»الاخوان» يدين إرهاب الزرقاوي في مملكة تواجه خطر غزو الفكر التكفيري والغلو والتطرف، خصوصاً بين الشباب، بسبب العداء المتصاعد لسياسات اميركا واسرائيل في العراق وفلسطين، وشكاوى متزايدة حيال اتساع رقعة الفقر ومعدلات البطالة والفساد المالي والاداري، وتراجع مستوى الحريات السياسية والاعلامية. وثمّة خوف من ان يخطف خطاب أبو فارس وأمثاله من المتشددين عناصر الاعتدال في القواعد الاخوانية، وبين الشباب، لا سيما انه حلل ارهاب الزرقاوي.

قيام التيار الاسلامي بخرق شعار «الأردن اولاً»، خصوصاً في موجباته السياسية الاقليمية، بغض النظر عن تضخيم ملف الأزمة، وما يمكن ان يكون وراءها من اهداف، وحماسة الإسلاميين لتبني موقف «حماس» على حساب سياسة بلادهم، تؤشر الى درجة الاحتقان الحاصل بين السلطة والاسلاميين. ويعكس هذا التوجه استعداد الجيل الجديد من قادتهم للمغامرة بعلاقاتهم التقليدية مع العرش، لمصلحة علاقاتهم مع نظرائهم الفلسطينيين، مع كل ما يثيره ذلك من انقسام مرتبط بالتركيبة السكانية وثنائية الولاء وهوية سياسية غير محسومة.

الحكومة باتت على قناعة بأن التيار الحماسي المتشدد يسيطر على جسم الحركة الاسلامية، ويدفع باتجاه تنفيذ المشروع الأصولي الصحيح، مستفيداً من صعود نجم الإسلام السياسي في دول الجوار، وانتشار سياسة «الفوضى الخلاقة» التي ينادي بها المحافظون الجدد في اميركا، لفرض التغيير الديموقراطي على العالم العربي، حتى لو تغيرت تركيبة الأنظمة الحليفة.

بالمقابل، ترى الجبهة، بقيادة بني ارشيد، نافذة فرصة لصياغة علاقة جديدة قائمة على نزع اعتراف الحكومة والاجهزة الامنية بقوة التيار الاسلامي، وبأسس علاقات قائمة على قبول السلطة به كشريك، بدلاً من استمرار قيامه بأدوار وظيفية تفرض على الحزب والحركة، أو تحدد بدون مشاورة كما تم في العديد من الحالات سابقاً، بينما تتعرض الجبهة لمضايقات وملاحقات ومزاعم بوجود شبهة فساد. وأجندة بني ارشيد اصبحت واضحة في تصريحاته العلنية. إذ يؤكد انه ينظر الى مسألة العلاقات مع الدولة بشكل مختلف عن الذين سبقوه، فمعياره هو المصلحة الوطنية، وهو المعيار نفسه للسلطة والحكومة. وهو قال في مقابلة صحافية «لن نقبل التوظيف والاستخدام. نريد ان نكون شركاء. لدينا وجهات نظر ينبغي ان تحترم، وسنحترم بالمقابل المواقف الرسمية».

أولويات الجبهة، كما قال، ملف «حماس» والإصلاح السياسي والإداري، والفساد، كرد على عدم وجود برنامج واضح للحكومة. وما يريد تأكيده هو ان القيادة الجديدة لم تعد قيادة تصالحية كما كانت الحال في الماضي، وهي منسجمة مع تصعيد القواعد، وتحاول ان تبني اسساً جديدة باعتبار أن الجماعة لم تعد طرفاً داخل النظام.

لطالما تمتعت جماعة الإخوان المسلمين بعلاقة تحالف غير معلن مع السلطات الأردنية منذ نشأتها كجمعية خيرية عام 1946. وقد قويت الجماعة وانتشرت بين الأردنيين المتدينين بالفطرة فضلاً عن الإفادة من سحب الشرعية من سائر الأحزاب اليسارية والقومية العربية بين عامي 1957-1992. لكن قواعد اللعبة الدولية والمعادلات الإقليمية وقيادة البلاد الجديدة تغيرت منذ ان اعتلى الملك عبدالله الثاني العرش بعد موت والده الذي حكم البلاد حوالي نصف قرن.

قد تكون هناك اسباب كثيرة موجبة لتغيير أسس المعادلة. إلا أن المشكلة تكمن في أنها جاءت على خلفية قضية غير موفقة، كقضية الزرقاوي، وانقسام مجتمعي ونخبوي، شرق أوسط متغير، ومخاطر مرحلة قادمة تضع السياسة الداخلية والخارجية في عهدة الأمن.

الأردن الرسمي يريد من الجبهة ونوابها في البرلمان أن يقرروا اليوم قبل الغد إن كانوا مع الوطن وشعبه ومصالحه أم مع الارهاب والعنف ضد المدنيين كوسيلة لتحقيق غايات سياسية. كذلك يريد من التيار الاسلامي ضمانات وتأكيدات لاحترام حق المعارضة في إبداء الرأي ضمن أسس كفلها القانون والدستور، لا ان تستقوي على الدولة، وتستغل المنطقة الرمادية ضد الإرهاب، وتستعمل الديموقراطية لصالح منطق مرفوض وسلوك مدان يشكل تحد للمجتمع على الصعيد الامني والديني والاخلاقي والاجتماعي من خلال دعم الارهاب بأسم الدين والحرية.

لعل الأخطر في حملة الشد والشد المعاكس انها تضعف تيار الاعتدال في زمن باتت الحركة تعيش أزمة حقيقية ادت الي فقدان البوطلة السياسية نحو الشعب والدولة، بين مدرسة جديدة متشددة ولائها لحماس اولاً، وقديمة معتدلة تجاه قضايا الوطن.

لا بد من التأكيد هنا أن أي جهة لن تستطيع إلغاء دور الاخوان والجبهة، لانهم باتوا جزءاً اساسياً من النسيج الوطني الاجتماعي، بعد سنوات من العمل الدعوي والنشاط في مجالات الخدماتيه والتعليمية والاجتماعية. وليس من مصلحة الوطن العبث في هذه المعادلة التي قد تولد ارتدادات قد تأخذ منحى اقليمياً بغيضاً.

لكن من مصلحة الجميع ان يعود المعتدلون الى قيادة الجبهة، وضبط ايقاعها، ووضع خطاب وبرنامج اصلاحي ينسجم مع المبادئ الاردنية. ومن مصلحة الأردن اتخاذ الاجراءات كافة لعزل أي تأثير بين التيار الاسلامي والصراعات الاقليمية، شرقاً وغرباً، او السماح بالسير في مواقف متناقضة تستغل الخطاب الديني الساذج، لتحضّ على العنف والارهاب، وتهدد السلم الاهلي والوحدة الوطنية المقدسة، او تحدث شرخاً داخلياً ضد موقف الدولة المؤيد للحرب العالمية على الارهاب، حتى ولو اختلط مفهوم الارهاب.

الأزمة الحكومية - «الاخوانية» الحالية تختلف عن مثيلاتها السابقة، والحكومة والمنظومة الامنية جادة هذه المرة في اعادة صياغة جديدة بين الطرفين، ضمن حدود تمليها المصالح العليا للبلاد حتى لو تناقضت مع أجندة التيار الاسلامي. الوضع الاقليمي يجعل السياسة الاردنية اكثر استنفاراً وحساسية، والأهم أن مؤسسة العرش التي كانت دائماً همزة الفصل والوصل بين الجماعة والحكومة، سحبت العباءة عن الحركة الاسلامية بأجندتها الجديدة.

كاتبة وصحافية من الاردن.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-27-6-2006