مقالات و محاضرات

 

كرة الفقراء... العجيبة

 

د. أحمد البغدادي

 

المونديال كلمة أجنبية حفرت لذاتها مكاناً غائراً في الإنسان المعاصر, وأصبح الكل ليس فقط يعرفها, بل ويتحرى وقتها, رغم عدد السنوات التي تفصل بين وقائعها. والمونديال كان رياضة فأصبح تجارة. كان كرة القدم الخاصة بالفقراء الذين يلعبونها بكل الطرق والوسائل, بدءاً بـ"كرة الشراب"(الجوارب) المصرية, وانتهاء بالكرة الجلدية التي يصنعها أطفال آسيا المعدمون بأبخس الأثمان في وقت ما. كانت لعبة الفقراء, فأصبحت منجماً للثراء غير المحسوب, الذي يحصل في أحيان كثيرة بطريق الصدفة من أزقة الحواري الفقيرة, بل المعدمة!

كرة القدم التي لعبها الإنجليز ومرمى الكرة حفرة, تحولت إلى مرمى شبك فوق الأرض, أصبحت لغة كونية, الكل يعرف قوانينها وكيفية تنظيمها, حتى الطالب الكسلان لا يرسب في امتحانها لو قُدّر له الامتحان فيها ضمن المقرر الدراسي. كرة القدم هذه أصبحت تجارة تدر البلايين من الدولارات على القائمين عليها, وحيث تتمنى كل دولة أن تحتضنها لتربح من وراء تنظيمها البلايين أيضاً. بل لقد أصبحت لها خيرات تستفيد منها الشعوب. فحين يقع الاختيار على بلد ما لتنظيم دورة كأس العالم تحدث العجائب, بدءاً من رصف الطرق وإقامة الملاعب المختلفة وتنظيف المدينة سواء من القاذورات أو المجرمين, ويستتب الأمن بسبب كثرة تواجد أفراد الشرطة, وكذلك الكلاب في الشوارع والمطارات ومختلف الأماكن. حتى الناس تتغير!! تصبح أكثر أخلاقية في تعاملها الإنساني مع الأجانب. ويمكن القول إن المونديال أصبح لغة عالمية بدون أحرف أو كلمات!

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد, فعجائب المونديال لا تنتهي ولا تنقضي. ومن أعجب العجائب ما يحدث في العالم العربي حيث تتحزب الناس إلى مجموعات, تناصر كل مجموعة فريقاً أجنبياً لا تمتّ إليه بصلة من أي جانب, ومع ذلك فالويل كل الويل لمن يتعرض له أو لأي من لاعبيه بأي سوء!! وكأن اللاعبين من بقية أهله. ولا يُكتفى بذلك بل ترتفع الأعلام الأجنبية على البيوت والسيارات ومن بلكونات الشقق, بل وحتى على الدرجات الهوائية, وعربات الشحن. ويا ويل من يدخل مقهى للاستراحة وهو لا يعلم عن المباريات شيئاً, حيث الصراخ والانفعال وكأن فوز الفريق الأجنبي سيؤدي إلى تقدم البلد الغارق حتى أذنيه في التخلف. وحين أشاهد كل هذا الحماس لفريق كرة أجنبي, أتساءل: ما الذي يدفع مواطناً لتأييد فريق كرة أجنبي, لا علاقة له بأي شأن من شؤونه؟ هل هو الخور والعجز في العالم العربي العاجز عن تحقيق أي نصر, حتى لو كان على ساحة الملاعب بدلاً من المعارك؟ هل ما يحدث نوع من الخور الذاتي في النفس العربية المبتورة, أو كتعويض نفسي للشعور بالعجز المتواصل عن تحقيق أي نجاح في أي مجال بعد أن ضاقت بالإنسان العربي السبل فقرر أن يخصص بضعة أسابيع في السنة ينتقم فيها من فريقه الوطني المثخن بالهزائم طوال العام؟ أم أن كل هذا ليس سوى جنون مؤقت عابر؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى خبراء علم النفس والاجتماع. فالأسابيع التي تستغرقها ألعاب المونديال تجعل العالم مجنوناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

كما لا يخلو الأمر من بعض الطرافة, إذ أعتقد أن الأنظمة العربية, لو كان الود ودها, لكانت كل أيام السنة مونديالاً في مونديال, حيث يتلهَّى الناس بالكرة دون أي اهتمام بالمشاكل, بل أعتقد أن كثيراً من الأمور سيتغير. فالأحوال الأمنية ستكون أفضل, لأن الناس إما سهرانة على الكرة, أو نائمة بعد مشاهدة المونديال, وفروق الوقت ستتكفل بدوخان كل المشاهدين. ولن يحس الناس بمشاكل الروتين, لأنه لا أحد فاضٍ... وهذا بدوره سيساعد على تنامي معدل التنمية, وسيرتفع معدل الإدخار الحكومي... وسيكون الجميع في راحة لا يمكن تصورها. ولهذا أقترح على حكوماتنا العربية جعل أيام كل السنة مونديال, حتى ترتاح... وتريح.

لو كان الأمر بيدي لجعلت المونديال من عجائب الدنيا السبع لما تفعله هذه الكرة الجلدية من أعاجيب بشعوب تبحث عن انتصارات لا علاقة لها بها.

كرة القدم, لعبة الفقراء الشعبية تتيح الثراء للأندية واللاعبين والقنوات الفضائية, وفنيي فتح التشفير بأساليب غير مشروعة... هل نحتاج إلى شرح معنى "العولمة"؟ انظروا إلى المونديال وسترونها رأي العين, ودون الحاجة إلى... حتى العقل!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-27-6-2006