مقالات و محاضرات

 

 

التوظيف السياسي للرياضة

 

محمد السماك

 

ما هي العلاقة بين السياسة الدولية والمباريات الرياضية؟ هل يعكس الفوز بالمراكز الأولى بدورة الألعاب الأولمبية، أو الفوز بكأس العالم في كرة القدم موقع الدولة الفائزة على المسرح السياسي، وهل يعزز من سياستها ويدعم السلطة القائمة فيها؟ ولماذا تعتبر خسارة فريق دولة ما، انتكاسة وطنية، والفوز إنجازاً وطنياً؟ ولماذا يحرص كبار المسؤولين في الدولة وحتى الملوك والرؤساء على حضور المباريات التي تشترك فيها فرق بلدانهم؟

وهل إن الرياضي الفائز أو الفريق الفائز يعني أن شعبه بإثنيته أو بعقيدته أو بتوجّهه السياسي، هو الفائز؟ وبالتالي هل أصبحت الملاعب الرياضية مسرحاً من مسارح الصراع الدولي؟

في الواقع، هكذا كان الأمر طوال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق. فالتنافس الرياضي بين فرق الدولتين تحوّل إلى تنافس بين الشيوعية والرأسمالية. وهكذا حدث أيضاً عندما أقيمت دورة الألعاب الأولمبية في برلين عام 1936 قبل الحرب العالمية الثانية. فالانتصار الرياضي الألماني تحوّل إلى انتصار للرايخ الثالث، وبالتالي انتصار لعقيدة النازية ولرمزها أدولف هتلر. كان الفوز الألماني فوزاً للعنصر الآري وللنظرية التي كانت تقول بتفوّقه على العناصر الأخرى من بني البشر.

ربما يحدث الأمر نفسه في الأولمبياد التي ستجري في بكين بعد عامين (2008). فالصراع على أشده منذ الآن بين الصينيين والأميركيين حول الموقع الجديد للصين في لعبة الأمم بعد أن أصبحت قوة اقتصادية كبرى إلى جانب قوتها النووية والبشرية. والتحدي الحالي لا يقتصر على الاستعداد للدورة المقبلة وتنظيمها، بل يشمل الميادين الرياضية المختلفة. وهو ما يحدث اليوم أمام سمع وبصر العالم كله من خلال مباريات كأس العالم في كرة القدم التي تجري في ألمانيا، حيث يتداخل الفوز أو الخسارة مع المشاعر الوطنية لشعوب الفرق المشتركة.

عندما نظمت الأرجنتين بطولة كأس العالم في عام 1978، وظفت السلطة العسكرية في ذلك الوقت تلك المناسبة سياسياً، وتمكّنت بذلك من تثبيت أقدامها في السلطة، ومن تشديد قبضتها الاستبدادية، مما ضاعف من عدد ضحاياها الذين كانوا يُرمون أحياء من طائرات الشحن العسكرية فوق البحر! وقد قضى عشرات الآلاف بصورة غامضة دون أن يعثر حتى على جثثهم في الوقت الذي كان الملايين يصفقون لانتصار هذا الفريق أو ذاك.

والحماس الوطني الذي أثاره فوز ألمانيا في عام 1954 أطلق مسيرتها نحو ما يُعرف بالمعجزة الاقتصادية، التي ما كانت لتتحقق لو لم يوظف ذلك الحماس الوطني من أجل إقناع الرأي العام الألماني بضرورة تحمّل أعباء إقامة نظام اقتصادي جديد يقوم فوق ركام الاقتصاد الوطني الذي دمّرته الحرب.

وعندما فازت ثانية في عام 1974، شكّل هذا الفوز قوة دفع لبرنامج تحديث وتطوير ألمانيا، حتى تبوأت موقع الصدارة في الاقتصاد الأوروبي بعد أن خسرت في الحرب بنيتها التحتية الاقتصادية والإنشائية تحت ضربات القصف الجوي العنيف الذي تعرّضت له. وترافق فوزها في عام 1990 مع استعادة الوحدة بين شطريها الشرقي والغربي بعد طول انقسام وتباعد بفعل المعادلات التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية. غير أنه خلال الدورة الحالية لبطولة كأس العالم فإن سلسلة المباريات التي جرت في نورمبرغ مثلاً أعادت إلى الأذهان محاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية. لقد تابع وقائع المباريات عن كثب حوالى المليار إنسان -سدس البشرية- بصورة بدت وكأنها طوت معها صفحات مؤلمة من تاريخ هذه المدينة الألمانية. فالحلفاء الذين انتصروا في الحرب العالمية الثانية لم يختاروا نورمبرغ عن عبث. كان اختيارهم لها رداً متعمداً على ما قام به هتلر في تلك المدينة بالذات عندما جعل من تمثال ضحايا الحرب العالمية الأولى الذي كان قد أقيم فيها تخليداً لذكرى 9855 عسكرياً من أبنائها قتلوا في تلك الحرب، قاعدة لإطلاق حركته الثأرية التي فجرت الحرب العالمية الثانية وما رافقها من مجازر جماعية يندى لها جبين الإنسانية خجلاً. ففي هذه المدينة نورمبرغ أعلن هتلر أن وحدة الشعب الألماني تقف في وجه العالم. أما المباراة النهائية في هذه الدورة من بطولة كأس العالم فستجري في الملعب الرياضي الكبير في برلين وهو الملعب نفسه الذي أقامت فيه ألمانيا بزعامة هتلر دورة الألعاب الأولمبية والتي لا تزال أصداء الخطاب الافتتاحي للزعيم النازي ماثلة في الذاكرة الإنسانية حتى اليوم. فهل تمحوها صيحات واحتفالات المحتفلين بهذه المباراة؟

أما الولايات المتحدة التي تطرح نفسها القوة العالمية الأولى في القرن الحادي والعشرين (وهي فعلاً كذلك)، فإنها رغم مشاركتها في كأس العالم لكرة القدم لا تشارك هذا العالم اهتمامه -الذي يصل إلى حد الهوس- بهذه الرياضة الشعبية. فالأميركيون مهووسون بلعبتهم الوطنية. وتذكر الأرقام الإحصائية أن عدد الأميركيين الذين حضروا المباراة النهائية لبطولة الولايات المتحدة في كرة القدم الأميركية بلغ 95 مليوناً، فيما لم يزد عدد الذين حضروا المباراة النهائية لبطولة العالم بكرة القدم في عام 2002 عن 3.9 مليون فقط واليوم يراقب المباريات التي تجري في الملاعب الألمانية خمس البشرية من 189 دولة يشكل الأميركيون منهم نسبة تكاد لا تُذكر. وبالمقابل فإن مباريات كأس العالم في الكرة الأميركية لم تستقطب خارج الولايات المتحدة سوى 36 ألف مشاهد فقط!

هذا يعني أنه ليس صحيحاً أن العولمة هي الوجه الآخر للأمركة على الأقل في الميدان الرياضي.

فلا الأميركان نقلوا لعبتهم المفضلة إلى الملاعب العالمية ولا اللعبة الشعبية الأولى في العالم - كرة القدم - استقطبت اهتمام الأميركيين واخترقت جدار ثقافتهم الرياضية .

التوظيف السياسي للرياضة يسيء إلى الرياضة ولا يخدم السياسة. وهذا أمر مضرّ بالتأكيد. فالسويسريون مثلاً يرددون دائماً أنهم يؤيدون في الدرجة الأولى فريقهم الرياضي، ويؤيدون في الدرجة الثانية مباشرة أي فريق آخر يلعب ضد فرنسا! ولكن ثمة ما هو أشد سوءاً وأكثر ضرراً. ونعني بذلك التوظيف الطائفي والمذهبي للرياضة. يعرف لبنان هذه الظاهرة السلبية والخطيرة جيداً ويعاني منها كثيراً. إذ غالباً ما ينظر إلى تنافس فرق معينة على أنه يحمل في طياته خطر إشعال فتنة طائفية أو مذهبية! إذ تكفي الإشارة إلى اسم النادي الرياضي حتى يتم تصنيفه على الفور على رصيد هذه الطائفة أو هذا المذهب. (الحكمة والرياضي في كرة السلة، والنجمة والأنصار في كرة القدم، على سبيل المثال لا الحصر). طبعاً لا تقتصر هذه الظاهرة السلبية على لبنان. فثمة مجتمعات عديدة أخرى تعاني منها أيضاً؛ (ففي اسكوتلندا مثلاً غالباً ما يحتدم الصراع على البطولة المحلية بكرة القدم بين فريقين مصنفين مذهبياً بين الكاثوليك والبروتستانت وهما فريقا الرينجرز والسلتيك). وفي أسبانيا فإن فريق "بالباو" لكرة القدم يمثل الوطنية "الباسكية" ذات النزعة الانفصالية في الشمال، وإن فريق برشلونة يمثل "الوطنية الكاتالونية"، وقد صوّت سكان هذا الإقليم مؤخراً على نظام سياسي جديد يتمتعون بموجبه بحكم ذاتي واسع، يحرّرهم من سلطة مدريد المركزية. وهو ما يمثله أيضاً فريق كورسيكا في فرنسا... إلخ.. وعندما تأهل فريقا السعودية وتونس بكرة القدم إلى التصفيات النهائية عمّت الفرحة العالم العربي كله. وعندما خسرا في التصفيات النهائية حل الحزن والخيبة والألم محل تلك الفرحة. وفي الحالتين لم يكن لأداء الفريقين علاقة مباشرة بذلك. فالفرح والخيبة عكسا مشاعر الانتماء القومي، وربما الديني أيضاً. وعندما يكون الحماس للطائفة أو للعقيدة السياسية في المباريات الرياضية، يفقد المتفرج الملتزم متعة وقائع التنافس بين الرياضيين، فلا يرى في الإنجازات الفنية للفريق المنافس سوى أخطاء يرتكبها الفريق الذي يريد له الفوز حتى لو لم يكن جديراً به.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-27-6-2006