مقالات و محاضرات

 

 

حول المصالحة الوطنية العراقية

 

د.عبدالخالق حسين

 

قدم رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي خطة للمصالحة الوطنية على البرلمان صباح اليوم، الأحد المصادف 25/6/2006، على أمل وقف العنف. وتشمل الخطة 24 نقطة منها: العفو العام عن بعض المسلحين الذين لم تتلوث أيدهم بقتل العراقيين ودمجهم بالعملية السياسية، وإطلاق سراح السجناء الذين لم يتورطوا في جرائم خطيرة، ونزع سلاح المليشيات ومنح تعويضات مالية لضحايا الإرهاب ومن تضرر من القوات الأمريكية والعراقية وضحايا العهد السابق، وإعادة النظر في هيئة إجتثاث البعث، ومنع انتهاك حقوق الإنسان، والعمل الجاد والسريع لبناء القوات المسلحة التي ستتولى إدارة أمن العراق للتمهيد لانسحاب القوات متعددة الجنسية... وقال المالكي: "الخطة مطروحة على كافة الذين يريدون الدخول في العملية السياسية لبناء بلدهم وإنقاذ شعبهم، طالما لم يرتكبوا جرائم".

بدءً، يجب أن نقدر خطورة الموقف وما يعانيه الشعب العراقي من أعمال العنف حيث سقطت عشرات الألوف من الضحايا الأبرياء وصار الوضع لا يحتمل أية مزايدة على حساب حياة ومصير الشعب. وعليه فأي إنسان سوّي يتمتع بوعي وضمير يجب أن يبذل كل ما في وسعه لوقف هذا النزيف ودعم أي مشروع يمكن له أن يعيد الأمن والسلام والحياة الطبيعية إلى ربوع هذا الوطن. لذلك أرى من الواجب الوطني دعم حكومة السيد المالكي في مسعاها والترحيب بهذه الخطوة ونتمنى لها النجاح. ولكن هذا لا يمنع من طرح بعض التحفظات على هذا المشروع والشكوك بنجاحه.

التحفظات على الخطة

ففي الوقت الذي نقدر فيه ضرورة الحفاظ على سرية المفاوضات التي استغرقت شهوراً، كما أفادت بعض التقارير، والتي جرت بين الحكومة والقوات الأمريكية من جهة، وبين بعض العناصر المسلحة من جهة أخرى، إلا إننا نعتقد أنه قد حان الأوان لإعلان أسماء وهوية هذه الجهات التي تم التفاوض معها، وإلا تبقى هذه الجهات مجرد أشباحاً غير مرئية وقابلة لمختلف التكهنات والإشاعات. فلحد الآن لا ندري ما هي هذه التنظيمات التي تم التفاوض مع قياداتها، مع علمنا، وكما جاء في بيان مشروع المصالحة وكلمة رئيس الوزراء، أن هذه الجهات لا تشمل فلول صدام حسين ولا أتباع القاعدة ولا أية جهة تلوثت أيديها بدماء العراقيين وارتكبت جرائم خطيرة بحق الشعب والوطن. لذلك فهناك احتمال وارد أن لا تكون لهذه الجهات أي دور يذكر فيما يجري على الساحة، ولا تأثير لها على المسلحين المتمردين والإرهابيين، وإنما هم أناس هامشيون يصطادون الفرص ويدعون بدور بارز لهم من أجل تحقيق بعض المكاسب المادية والوجاهة لهم من خلال استغلال مأساة الشعب ومعاناته. فنحن نعرف ما يجري الآن من عمليات نصب واحتيال على ذوي ضحايا الاختطاف مثلاً. فما أن يتم اختطاف أحد أبناء الشعب، حتى تتصل عصابة مجهولة بذوي المختطف يطالبونهم بدفع فدية في حدود 10 -20 ألف دولار، فتضطر العائلة تدبير المبلغ بشق الأنفس ودفعه للعصابة على أمل تحرير المختطَف، ثم تختفي العصابة ولن يجدوا لها أثراً ليفاجؤوا بعد أيام بالعثور على جثة المختطف في أحد الشوارع. فعراق اليوم صار ساحة لمختلف الممارسات الإجرامية والإرهابية لكل من هب ودب ولكل نوع من الاحتيال والإجرام. لذا فلا نستبعد أن تكون هذه الجهات السبعة التي اتصلت بها الحكومة هي من هذا النوع من النصابين الذين لا دور لهم فيما يجري من اقتتال، وبذلك تكون هذه الجهود قد ذهبت هباءً منثورا، وعندئذ نقول: تمخض الجبل فولد فأراً.

الاحتمال الآخر هو، قد تكون هذه الجهات هي فعلاً موجودة ولها تنظيمات تدعي بأنها مقاومة "شريفة" تحارب الاحتلال، ولكنها في نفس الوقت لا تأثير لها مطلقاً على العصابات الإرهابية من الصداميين والزرقاوين الذين هم بالأساس سبب فقدان الأمن والتفجيرات وتعطيل الحياة في البلاد. وبذلك ستكون النتائج أيضاً مخيبة للآمال ودون أن يتحقق أي تحسن يذكر في الوضع الأمني. وفي الحالتين، فهناك احتمال كبير أن التفاوض مع هذه الجهات، شبحية كانت أم حقيقية، سوف لن يحقق النتائج المرجوة في تحقيق الأمن ولن يوقف هذا النزيف والحريق. ولكن مع كل هذه التحفظات، نرى من الضروري دعم المشروع لأنه قد يؤدي إلى عزل فلول الصداميين والزرقاويين وبالتالي تجفيف منابع الإرهاب تدريجياً.

خطورة الاعتراف ب"المقاومة"

هناك مطالبة من قبل المسلحين والناطقين باسمهم من أمثال (هيئة علماء المسلمين) ومنذ مؤتمر القاهرة (الوفاق الوطني) في العام الماضي، بالاعتراف بالمقاومة بأنها حق مشروع لرفع السلاح ضد قوات التحالف وتحرير البلاد من الاحتلال!. أعتقد أن إذعان الحكومة لهذا الشرط يتعارض مع المسئولية الأخلاقية. لقد جاءت القوات متعددة الجنسيات بقيادة أمريكا إلى العراق وأسقطت النظام البعثي الجائر بناءً على طلب من المعارضة العراقية الشرعية. وكان الهدف هو إسقاط نظام البعث الجائر وتحرير العراق من الفاشية وإقامة نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان. وقد وفت أمريكا وحلفائها بجميع ما قطعته من عهود ووعود، وضحت لحد الآن بأكثر من 2500 من جنودها في سبيل تحقيق هذه الأهداف النبيلة. وكل العالم، بما فيه الجهات الغربية والعربية والإسلامية المعارضة لوجود قوات التحالف في العراق، يعترفون أن العالم اليوم أفضل بدون نظام صدام حسين. كذلك حظي وجود قوات التحالف في العراق بالشرعية الدولية بقرار خاص من مجلس الأمن الدولي وسوف تغادر هذه القوات العراق بطلب من الحكومة العراقية الشرعية المنتخبة. كما وتبرعت أمريكا بنحو عشرين مليار دولار من أموال مواطنيها للمساهمة في إعادة بناء العراق. كذلك بذلت مساع حميدة لدى الدول الدائنة بالتنازل عن ديونها المتراكمة على العراق، وحققت نجاحاً كبيراً في هذا الخصوص. وإذا كان الأمر كذلك، فهل من الإنصاف اعتبار وجود القوات الأمريكية والحليفة في العراق احتلالاً؟ وهل من الأخلاق اعتبار حمل السلاح ضد القوات الأمريكية والحليفة مقاومة مشروعة في الوقت الذي تقوم فيه هذه القوات مع القوات العراقية بحماية أرواح الناس وممتلكاتهم من الإرهابيين؟ وكلنا نعرف ماذا سيحصل للعراق فيما لو انسحبت أمريكا منه كما تريد "المقاومة المشروعة". وهل يجوز شن مقاومة مسلحة في ظل نظام ديمقراطي منتخب من غالبية الشعب تتمثل فيه جميع مكوناته ويعترف بوجود معارضة حيث يمكن حل جميع الخلافات والتظلمات بالطرق السلمية وتحت قبة البرلمان؟ الجواب بالطبع، كلا.. وبناءً على ما تقدم، فهل تبقى هناك شرعية لمثل هذه الأعمال التخريبية لكي نطلق عليها مقاومة مشروعة كي يتم الاعتراف بها؟ يقيناً إن بقاء القوات متعددة الجنسيات في العراق ضرورة ملحة تفرضها مصلحة الشعب العراقي، وهي في نفس الوقت تقوم بتدريب القوات العراقية، وسوف تغادر البلاد بأسرع ما يمكن حال تمكن القوات العراقية من تحقيق الأمن. كذلك لا يمكن للإدارة الأمريكية ولا الحكومة العراقية وضع جدول زمني لسحب قوات التحالف من العراق، ولكن يمكن الوعد بتخفيضها وحسب نمو قدرات القوات العراقية، وهذا الذي يجري الآن. فهناك مخاوف مشروعة لدى أمريكا والحكومة العراقية من وضع مثل هذا الجدول الزمني وتحديد تاريخ الانسحاب. لأن في مثل هذا التحديد الزمني للانسحاب إشارة للقوى الصدامية وحلفائها من أتباع القاعدة أن يعلنوها هدنة وينموا خلالها قدراتهم الإرهابية، إلى أن تسحب قوات التحالف من العراق، ومن ثم يشنوا هجومهم على الحكومة الديمقراطية والقضاء عليها وتحويل العراق إلى ساحة لإرهاب لوردات الحروب كما حصل في الصومال وأفغانستان في عهد طالبان. ولهذا السبب فمن السذاجة بمكان وضع جدول زمني محدد للانسحاب الكامل في ظل الأوضاع الراهنة. ويجب أن يعرف الإرهابيون أن الإدارة الأمريكية ليست بهذه السذاجة. أما الصداميون والزرقاويون فهم أناس عدميون يائسون يمثلون ألد أعداء الإنسانية والوطن وشعارهم (علي وعلى أعدائي يارب) ومصيرهم في مزبلة التاريخ.

خلاصة القول، نتمنى على الجميع دعم جهود الحكومة العراقية في جميع مساعيها من أجل تحقيق مشروع المصالحة الوطنية وإعطائه فرصة للنجاح من أجل سحب البساط من تحت أقدام الصداميين وحلفائهم الزرقاويين وعزلهم من جمهور واسع يرفدهم، والتعامل مع هذا المشروع بتفاؤل حذر ونتمنى على حكومة السيد المالكي أن تكون أذكى من أدعياء "المقاومة". فلا مكان لتحقيق أغراض سياسية بالسلاح في ظل حكومة ديمقراطية منتخبة.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: صوت العراق- 26-6-2006