واشنطن وتعقيدات المشهد في البلقان

 

غوردن إن. باردوس

 

إدارة بوش مقبلة على ساعة الحقيقة في البلقان. فإعلان استقلال الجبل الأسود مؤخراً، والبت المرتقب في مستقبل كوسوفو في وقت لاحق من هذا العام، والجهود المتواصلة للترويج لإصلاح دستوري في البوسنة والهرسك، كلها عوامل تسلط الضوء بقوة على عدم انسجام هدفين تتبناهما الإدارة الأميركية الحالية وهما: التخلي عن البلقان (حتى تركز اهتمامها على أفغانستان والشرق الأوسط)، والالتزام بإدارة التغيرات السياسية والأمنية التي تواجه جنوب شرق أوروبا في المستقبل القريب.

يمكن الجزم بأن الاتحاد الأوروبي لن يكون قادراً، بالنظر إلى المشاكل العديدة التي تواجهه –ومنها التراجع الاقتصادي في معظم منطقة اليورو، وزعامة تفتقر إلى القوة في إيطاليا وألمانيا، وقائدان ضعيفان في بريطانيا وفرنسا، وتأثيرات توسيع الاتحاد الأوروبي- على توفير زعامة حقيقية بالمنطقة خلال المقبل من السنوات.

والحقيقة أن تفكك اتحاد صربيا- الجبل الأسود ليس سوى التغير الأول في سلسلة من التغيرات المهمة التي تواجهها المنطقة. فلئن كان إعلان استقلال الجبل الأسود عن اتحاده مع صربيا في الثالث من يونيو الجاري نجاحاً باهراً لرئيس الوزراء ميلو ديوكانوفيتش، فإن استفتاء الاستقلال وما تمخض عنه من نتيجة أماط اللثام أيضاً عن الانقسامات العميقة التي تعتري مجتمع الجبل الأسود، ذلك أن الفرق بين الكتلة الراغبة في الاستقلال والكتلة الرافضة له (45000 صوت تقريباً) هو أقل من عدد الجمهور الذي يضمه ملعب نادي "يانكي" في يوم الأحد. لقد صوت الناخبون الذين يعتبرون أنفسهم من سكان الجبل الأسود أو ألبانيين أو مسلمين بأغلبية كاسحة لصالح الاستقلال، في حين صوت سكان الجبل الأسود الذين يعتبرون أنفسهم صرباً –ويمثلون أكثر من 30 في المئة من عدد السكان- لصالح بقاء الجبل الأسود ضمن الاتحاد مع صربيا. والواقع أن هذه الانقسامات، إضافة إلى اقتصاد لا تتعدى نسبة العاملين فيه من السكان 20 في المئة، مؤشر على أن الحياة السياسية في الجبل الأسود مقبلة على أيام صعبة وحاسمة.

إن الجبل الأسود المستقل يواجه تحدين مهمين. يتمثل أولهما في تضميد جراح حملة الاستقلال وتغذية جو يكون فيه السكان الصرب مؤهلين للعب دور بناء في الحياة السياسية. أما الثاني، فيتمثل في تلبية مطالب الأقليات العرقية في الجبل الأسود بعد أن تغيرت قواعد اللعبة السياسية في البلاد. وفي هذا الإطار، فمن المرجح، الآن وقد تم التوصل إلى الاستقلال، أن تزيد الأقليات العرقية مطالبها وتبدأ في السعي إلى الحصول على المزيد من الاستقلالية الثقافية والترابية داخل الدولة الجديدة. وبالتالي، فإن الحياة السياسية في الجبل الأسود مرشحة لأن تبدأ في السير على منوال الحياة السياسية الصعبة والمبنية على أساس عرقي في البوسنة والهرسك أو مقدونيا، وهو ما من شأنه أن يعرقل جهود البلاد الطامحة إلى الاندماج مع المنظومتين الأوروبية والأطلسية مستقبلاً.

والحقيقة أن التأثيرات الجانبية التي نتجت عن استفتاء الاستقلال في الجبل الأسود واضحة وبادية للعيان، حيث أعرب الزعماء الصرب في البوسنة عن إمكانية إجراء استفتاء حول الاستقلال خاص بهم، في وقت بدأ فيه بعض الساسة البوسنيين المسلمين يدعون إلى إنهاء جمهورية صرب البوسنة، وهو ما يعني في كلتا الحالتين دفن اتفاقات "دايتون" التي حافظت على السلام في البوسنة منذ 1995. علاوة على ذلك، تشهد صربيا ارتفاعاً في شعبية الأحزاب القومية يرجح أن ترتفع أكثر في حال مُنحت كوسوفو، مثلما هو متوقع على نطاق واسع، شكلاً من أشكال الاستقلال في وقت لاحق من هذا العام. كما تُظهر التقارير الأخيرة للأمم المتحدة ومنظمة "هيومان رايتس ووتش" حول الفساد في الحياة السياسية وغياب حكم القانون بكوسوفو بأن الإقليم غير مؤهل لأن يصبح وحدة سياسية ديمقراطية مستقرة.

إن كل ما سلفت الإشارة إليه يشير إلى سهولة خروج الأمور عن السيطرة ومحو 10 سنين من جهود إحلال الاستقرار بالمنطقة في حال غياب زعامة أميركية قوية. وبالتالي، فإن تصريحات صناع السياسة الأميركيين، في جو سياسي مضطرب من هذا القبيل، حول تطلعهم إلى سحب القوات الأميركية من البلقان وتسليم المهام إلى الأوروبيين لا تعمل سوى على تشجيع المتطرفين. فالبوسنة والهرسك، ومقدونيا، وصربيا، مقبلة على الانتخابات قريباً، والقوى السياسية المعتدلة في هذه البلدان في حاجة إلى الدعم الأميركي لإقناع ناخبيها بأن الخيارات الصعبة التي قاموا بها من أجل تبني الإصلاحات الاقتصادية والسياسية ستأتي أكلها في المستقبل القريب. والواقع أن اغتيال رئيس الوزراء الصربي السابق وزران دييندييتش في مارس 2003 يمثل تذكيراً مأساوياً بالمخاطر الشخصية الكبيرة التي تحدق بالإصلاحيين في جنوب شرق أوروبا، والذين يحتاجون ويستحقون تفهم الولايات المتحدة ودعمها.

لقد بعث الرئيس بوش، من خلال الزيارة التي قام بها مؤخراً إلى بغداد، برسالة قوية إلى العراقيين مؤداها أن الولايات المتحدة عاقدة العزم على دعم بلادهم إلى حين استكمال مرحلة انتقال البلاد إلى الديمقراطية. والواقع أن على إدارة بوش أن تبعث برسالة مماثلة إلى كل من المتطرفين والمعتدلين في البلقان تفيد بأن الولايات المتحدة ستعمل بكل جد على تزعم جهود إدماج كل بلدان جنوب شرق أوروبا في حلف "الناتو" والاتحاد الأوروبي– وأنها لن تنسحب قبل إتمام المهمة.

المدير المساعد لمعهد "هاريمان في كلية الشؤون الدولية" بجامعة كولومبيا .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-26-6-2006