ضربة استباقية لصاروخ كوريا الشمالية

 

ويليام بيري

 

يعمل في هذه الأثناء فنيو كوريا الشمالية على إدخال اللمسات الأخيرة لإعداد صاروخ "تايبودونج2" طويل المدى الذي يستطيع حسب الخبراء إيصال شحنة تفجيرية قوية إلى الولايات المتحدة. وقد كانت سنة 1998 آخر مرة أقدمت فيها كوريا الشمالية على اختبار الصاروخ، حيث تسببت في موجة عارمة من الاستياء عمت مختلف أنحاء العالم، لاسيما في الولايات المتحدة واليابان اللتين تعتبرهما بيونج يانج ضمن ألد أعدائها. وسرعان ما ترسخ الاعتقاد لدى واشنطن وطوكيو أن صاروخاً من ذلك الطراز لا يملك أية قيمة عسكرية إلا إذا زود برؤوس نووية قصد إيصالها إلى أهداف بعيدة. ورغم موافقة كوريا الشمالية وقتها على وقف تجاربها على الصاروخ، إلا أن الوضع اليوم يختلف كثيراً عما كان سائداً وقتها. فمنذ 2003 وكوريا الشمالية تفاخر بامتلاكها قوة الردع النووي بعد حصولها على ما بين ست إلى ثماني قنابل مصنعة من البلوتونيوم، وهي تعكف حالياً على إنتاج المزيد منها في مفاعلها النووي "يونجبيون".

وهكذا وفي ظل انهيار المحادثات السداسية التي كانت تهدف إلى احتواء الأسلحة الكورية الشمالية، هل تستطيع الولايات المتحدة ترك دولة تناصبها العداء علناً وتمتلك السلاح النووي تبني قدراتها الصاروخية لإيصال الرؤوس النووية إلى الأراضي الأميركية؟ قطعاً لا. بيد أن إدارة الرئيس بوش التي اتخذت من "الضربات الاستباقية" عقيدة لها ظلت طيلة الفترة السابقة حبيسة الدوغمائية عكس ما كان سائداً خلال الإدارات السابقة. فقد تبنت إدارة بوش العقيدة الاستباقية في العراق، علماً بأن المعلومات الاستخباراتية لم تشرْ سوى إلى وجود أسلحة محدودة للدمار الشامل أقل بكثير من الخطر الحالي الذي تطرحه كوريا الشمالية. ومع ذلك فنحن لا نعارض تدخل الولايات المتحدة كلما لمست وجود خطر وشيك يهدد الأمن الأميركي.

ومن هذا المنطلق على الولايات المتحدة أن تكون واضحة تجاه كوريا الشمالية وتحذرها من أنه إذا لم توقف تجاربها على الصاروخ بعيد المدى فإنها لن تتردد في تدميره حتى قبل إطلاقه. ويمكن القيام بذلك مثلاً من خلال إطلاق صاروخ "كروز" يحمل رأساً شديد التفجير من إحدى الغواصات. وستكون الضربة شبيهة بتلك التي قتلت الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي، لكن أثرها سيكون مدمراً على الصاروخ الكوري، لاسيما وأن صاروخ "كروز" بطبقاته المتعددة وسمكه الرفيع سيكون قادراً على اختراق الصاروخ الكوري وتفجيره، كما سيتم تدمير البنية التحتية لتصنيع الصاروخ منهياً مساعي كوريا الشمالية للرجوع إلى تهديدات مرحلة الحرب الباردة. وسيقتصر التدمير على الدائرة الضيقة التي يتواجد فيها الصاروخ دون أن يتعداها إلى محيط أكبر ما سيقلل من احتمال حدوث أضرار غير مقصودة. وفي هذا السياق أعلن الجيش الأميركي وضع الصواريخ المنتشرة في ألاسكا وكاليفورنيا في حالة تأهب قصوى للتصدي للصاروخ وتدميره. ورغم القدرة النظرية لأنظمة الصواريخ الأميركية على اعتراض "تايبودونج2" وتدميره في السماء بعد وقت وجيز من إطلاقه، إلا أن الانتظار إلى غاية إطلاق الصاروخ لاعتراضه ينطوي على بعض المجازفة؛ ذلك أن مجرد إطلاق الصاروخ في الجو يوفر للمهندسين الكوريين فرصة الحصول على البيانات اللازمة المتعلقة بتجربة الإطلاق نفسها تمكنهم من إعادة إنتاجه مرة أخرى وبإمكانيات كبيرة، ثم إخفائه في الأنفاق المتشعبة التي بناها النظام الشيوعي تحت الأراضي الجبلية في كوريا الشمالية.

ولا ننسى أن الصواريخ الأميركية لا يمكنها اعتراض الصاروخ الكوري إلا إذا كان مساره يمر ضمن نطاق أنظمة الصواريخ المنتشرة على السواحل الغربية للولايات المتحدة، فضلاً عن عدم وجود سوابق في تعاطي أنظمة الصواريخ الأميركية مع "تايبودونج2". ومع ذلك علينا ألا نخفي تصميمنا على ضرب "تايبودونج2" إذا ما أصرت كوريا الشمالية على رفض سحب وقود الصاروخ إلى داخل مخازنها وطي صفحة تجريب الصاروخ مرة واحدة وإلى الأبد. وبالطبع لن تؤيد كوريا الجنوبية التحرك الأميركي، بل ستعارضه بشدة. وفي هذا السياق على الولايات المتحدة أن تعلن أمام الملأ عدم نيتها استخدام كوريا الجنوبية في أي عمل عسكري، بحيث ستعتمد الولايات المتحدة بشكل مطلق على قدراتها الذاتية. وفي المقابل على المسؤولين في كوريا الجنوبية أن يدركوا أن الأراضي الأميركية أصبحت تحت التهديد ومن حقنا الرد على ذلك. أما روسيا والصين فستفاجآن بالإنذار الأميركي لكنهما لن يدافعا عن كوريا الشمالية بعدما وصلت المحادثات السداسية إلى طريق مسدود.

وبالإضافة إلى إطلاع حلفائنا على الإنذار الموجه إلى كوريا الشمالية، على الولايات المتحدة أن تخبر المسؤولين في كوريا الشمالية بألا حل أمامهم لإنقاذ الصاروخ نفسه، اللهم إلا السعي إلى التقليل من الأضرار التي قد تلحق بالعاملين في موقع الإطلاق والعمل على إخلائهم. والأكثر من ذلك يتعين على الولايات المتحدة التأكيد على أن الهجوم العسكري لن يستهدف كامل البلاد، ولا حتى المؤسسة العسكرية، بل ستقتصر الضربة على الصاروخ الذي تسعى بيونج يانج إلى إطلاقه. ولا نعتقد أن كوريا الشمالية قد تغامر بشن حرب شاملة على جارتها الجنوبية التي كانت تحاول في السابق تحسين العلاقات بين البلدين. وأما إذا ما أقدم الزعيم الكوري الشمالي "كيم يونج" على غزو كوريا الجنوبية، فإن ذلك سيعجل من سقوط النظام خلال أسابيع من بدء الحرب مع الولايات المتحدة، كما يعرف ذلك. ورغم استبعاد اندلاع حرب شاملة، إلا أنه من الأفضل للولايات المتحدة نشر قواتها الجوية والبحرية في المنطقة تحسباً لأي طارئ.

ولئن كان من الصعب على بوش سلوك هذا الطريق وتوجيه تحذير واضح إلى كوريا الشمالية، فإن الأصعب والأخطر من ذلك هو تركها تمتلك القدرة على إيصال رؤوسها النووية إلى الولايات المتحدة.

وزير الدفاع في إدارة الرئيس بيل كلينتون

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-26-6-2006