مقالات و محاضرات

 

 

أزمة القاعدة وموت الزرقاوي!

 

كاظـم حبيب

 

من منظور مختلف

أشرت في مقال سابق الى أن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين سيلجأ إلى أحد احتمالين إما التصعيد أو إلى إعادة النظر بسلوكه الإرهابي المتوحش في العراق ضد الناس الأبرياء على أساس طائفي سياسي وتكفيري عدواني بحت. وكنت أميل إلى أنه سيشدد من عملياته ويزيد من قتله للناس الأبرياء, لأنه, وكما يبدو, أصبح قاب قوسين أو أدنى من نهاية دوره المشؤوم في العراق, خاصة أن أصحاب الوضع النفسي والاجتماعي المريض غالباً ما يغوصون في المستنقع الذي ولجوه ويصعب عليهم حتى التفكير بالخروج منه.

لقد ازداد عدد السيارات المفخخة وعدد الانتحاريين لأنهم يفضلون موتهم بهذه الطريقة من أن يقتلوا على أيدي القوات العراقية والقوات الأجنبية المتحالفة معها بأمل أن يأخذوا المزيد من  العراقيات والعراقيين معهم إلى القبر.

ست سيارات مفخخة في كركوك وحدها والعديد منها في بغداد وفي مناطق أخرى. موتى وجرحى ومعاقين, يتامى وثكالى, حيث تختلط الدماء بالدموع. والإنسان العراقي لا حول له ولا قوة حتى الآن. والحكومة ترسم الخطط بأمل تنفيذها فعلاً دون الكثير من الدعاية عنها أو الكشف عن جوانبها المختلفة, وكأني بهم يقولون للمجرمين القتلة ها نحن قادمون لكم فانتبهوا!

تنظيم شيوخ الإجرام العالمي, تنظيم القاعدة, يعاني من أزمة حادة خانقة حقاً. كما أن طبيعة بعض التنظيمات العلنية لقوى الإسلام السياسي المتطرفة في بعض الدول العربية بدأت تكشف عن طبيعتها من خلال التماثل في البرامج والمواقف السياسية إزاء الكثير من القضايا العربية, بما فيها الموقف من فلسطين أو من إرهاب الزرقاويين في العراق, أو من موت هذا الجلاد المجرم, أو إعلان خالد مشعل عن موقفه وموقف تنظيمه المؤيد للقتلة في العراق واستعداده لدعمهم بالمال والسلاح والمقاتلين.

 أين تكمن هذه الأزمة؟ وكيف يفترض استثمارها لصالح المزيد من الأمن والاستقرار والسلام في ربوع العراق؟

الأزمة تكمن في عدد من الحقائق الجوهرية, ومن بين أهمها نشير إلى ما يلي :

- اتساع ظاهرة التحالف الدولي ضد الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرف والتضييق على قياداته وشيوخه وقواعده واعتقال المزيد منهم والكشف عن الكثير من تشابكات علاقاتهم في مختلف بقاع العالم, وخاصة العالمين الإسلامي والأوروبي, وبالتالي أصبحت تنظيمات القاعدة المستقلة عن بعضها نسبياً تعاني من صعوبة الحركة وتنفيذ المهمات الموكلة لها بالقتل والتخريب أو بالحصول على المزيد من المريدين في العالم.

- المصاعب المالية التي بدأت تواجه تنظيم القاعدة بسبب الحصار المالي والتضييق على البنوك التي تتعامل مع هذه التنظيمات أو التنظيمات الوهمية للكشف عنها وتقلص مبالغ الدعم التي كانت تصلهم, رغم استمرارها من بعض شيوخ المال في العالمين العربي والإسلامي.

- كفاح الفكر المتنامي ليس ضد التنظيمات المتطرفة فحسب, بل وضد الفكر أو الأيديولوجية العنفية التي تثقف بها بعض المذاهب الإسلامية, ومنها أتباع المذهب الحنبلي وما نشأ عنه من متطرفين ينتمون إلى المذهب الوهابي في السعودية وفي بلدان إسلامية أخرى.

إن الإرهاب الدموي لتنظيم القاعدة موجه بالأساس ضد شعوب البلدان التي تتحرك فيها, وبالتالي فالموت الذي تمارسه يحصد عباد الله الأبرياء من كل ذنب بمن فيهم الأطفال, فهم يقتلون ما خلقه الله ويقتلون نفوساً بغير ذنب, وهم في ذلك يحصدون كراهية الشعوب وغضب الله.

وأن الإرهاب الدموي الذي تمارسه قوى تنظيم القاعدة موجه ضد كل المسلمين الذين لا يؤمنون بالمذهب الوهابي المتطرف, أي ضد الشيعة بشكل خاص وضد أهل السنة من الحنفيين والشافعيين والمالكيين وضد أتباع الأديان الأخرى أيضاً. أي أنها حركة تكفر الجميع إلا نخبتها الفاسدة.

هذه الأزمة الخانقة ستدفع بقيادات القاعدة إلى المزيد من المغامرة وإلى المزيد من العمليات وإلى المزيد من إرسال الانتحاريين إلى الموت, وهم يشعرون بالاختناق الفعلي من جراء اشتداد تضييق الحبل على رقبتها المعوجة أصلاً.

ومن هنا يفترض في القوى المناهضة للإرهاب الإسلامي السياسي المتطرف على صعيد العالم أن تزيد من تحالفها وتنسيقها وتبادل المعلومات والخبرات فيما بينها وتنشيط عملها المشترك ضد هذه القوى الجامحة, لأنها وهي في عمق أزمتها وانفعالها لخسائرها الكبيرة سترتكب المزيد من الأخطاء وستفسح  المجال لإلقاء القبض على المزيد منهم رغم الدماء التي ستسيل بسبب هذا الجنوح والهستيرية المتفاقمة في تنظيماتها بعد قتل الزرقاوي ومفتيه المفتري عبد الرحمن المصري.

وعلى صعيد العراق أرى ضرورة العمل على عدة جبهات ما يزال عملنا فيها ناقصاً, أشير إلى أبرزها فيما يلي :

- تنشيط الجبهة الفكرية المناهضة لكل التيارات الفكرية والسياسية المتطرفة, وبشكل خاص فكر تنظيم القاعدة, بهدف الكشف عن طبيعتها وجوهر عدائها للآخر فكراً وسياسة وإنساناً. وهنا يلعب الإعلام دوراً أساسياً في مواجهة تلك القوى. وعلى الصعيد نفسه يتطلب الأمر مواجهة الجماعات الإعلامية المنشطة للفكر الطائفي السياسي والديني المتخلف والمنشطة للإرهاب والمشجعة على معاداة اتجاهات التطور الديمقراطية المنشودة في العراق, وإنجاز دراسات على عدد من وثائق بعض الفضائيات العربية إزاء العراق وقوى الإرهاب فيه خلال السنوات الثلاث المنصرمة, من أجل تجميع وتحليل تلك الوثائق لإقامة دعاوى قضائية ضدها في العراق وفي دول أخرى, بما في ذلك قناة الجزيرة في قطر أو البغدادية أو حتى في العراق والخليج عموماً. إنها الجبهة الأكثر أهمية في المرحلة الراهنة التي يفترض مواجهتها من أجل قطع الشريان الذي يوفر للإرهابيين المزيد من الناس الجهلة وغير المتنورين.

- تنشيط الجبهة السياسية الداخلية من خلال ثلاثة إجراءات مهمة, وهي :

ـ تعزيز التحالف السياسي الذي تحقق في الحكومة بغض النظر عن موقفنا من طريقة تشكيلها وفق المعيار الطائفي والمحاصصة الطائفية أو الاستحقاق الانتخابي. إذ يبدو في الأفق جدية ملموسة لدى رئيس الحكومة السيد نوري كامل المالكي على ممارسة سياسة أفضل من سابقيه في هذا المجال.

ـ متابعة ومواصلة الجهد الذي يبذله السيد رئيس الجمهورية مام جلال الطالباني الدخول في مفاوضات فعلية مع تلك القوى التي تؤكد أنها لا تستهدف الشعب بل القوات الأميركية للحوار معها حول سبل الخلاص من وجود القوات الأجنبية في العراق وأغراض هذا الوجود, إذ أن هناك حقيقة لا غبار عليها هي أن غالبية الشعب في العراق لا تريد لبلادها وجوداًُ عسكرياً أجنبياً, ولكنها تدرك أيضاً ضرورة هذا الوجود مرحلياً وسبل التعامل الفعال مع الواقع الإرهابي لكي يمكن التخلص منه, ثم الطلب بخروجها من العراق.

ـ ضرورة تعجيل عملية إنهاء وجود الميليشيات المسلحة, سواء أكانت علنية أم سرية. إن هذه المهمة تساهم في التخلص من المقاتلة الطائفية الجارية حالياً من خلال نزع سلاح الميليشيات وشد أفرادها بأجهزة الدولة المدنية بشكل خاص والعمل على تهذيبها باتجاه روح المواطنة بدلاً من الانتماء الطائفي. فوفق المعلومات المنشورة رسمياً ارتفع عدد العوائل المهجرة قسراً من مناطق سكناها لأسباب طائفية إلى أكثر من 19000 عائلة, وهذا يعني أن عدد المهجرين يتراوح بين 80 و100 ألف إنسان.

- تنشيط التعاون والعمل المشترك بين فئات الشعب المختلفة المتضررة والمقصودة من العمليات الإرهابية وبين أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية والشرطة, إذ انها الضمانة الأكثر حيوية في كشف المزيد من أوكار الإرهابيين ومخابئ الأسلحة والمتفجرات, شريطة أن يجري الكشف المستمر على المندسين في صفوف هذه القوات العسكرية أيضاً لضمان سلامة المتعاونين من الناس معها.

- تسريع عملية تأمين العمل للعاطلين وتوفير الخدمات الغائبة حقاً عن غالبية الشعب مثل الكهرباء والماء والنقل المأمون والبريد والهاتف الأرضي وصرف المياه الآسنة (المجاري) وإزالة تلال القاذورات من المدن وحواشيها وردم المستنقعات المائية في شوارع العاصمة وأحيائها الفقيرة والشعبية وفي غيرها, وحماية المشاريع الخدمية والسير صوب تحسين مدخولات العوائل وظروف معيشة الناس. وزيادة دور المثقفين في عملية البناء الديمقراطي المنشود في العراق وزيادة حماية أساتذة الجامعة والأكاديميين والإعلاميين والمهندسين والأطباء, ولكن بشكل خاص الصحفيين الذين يتطلب عملهم التحرك المستمر صوب المناطق الساخنة سياسياً وعسكرياً وأمنياً, وكذلك توفير الحماية لتلك العوائل غير المسلمة كالصابئة والمسيحيين التي تعاني من اضطهاد الإرهابيين في مناطق كثيرة من العراق.

إن الوضع الراهن في العراق يستوجب تكثيف الجهود المشتركة ودعم الحكومة في سبيل معالجة القضايا الملحة بروح إنسانية وروح المواطنة العراقية وبعيداً عن الرؤية والروح الطائفية السياسية المقيتة.

أشعر لأول مرة أننا نسير على درب أكثر سلامة, فهل في مقدور الشعب والقوى السياسية والمؤسسات الدستورية والحكومة تطوير هذه المسيرة وتعجيلها من أجل إيصال العراق والمجتمع إلى شاطئ السلامة؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام والأسابيع القادمة!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-25-6-2006