الضربات الاستباقية...استراتيجية عقيمة للتعامل مع صواريخ كوريا الشمالية

 

جابريال شونفيلد

 

تستعد الأجهزة الاستخباراتية الأميركية في هذه اللحظات لاختبار قدراتها الاستطلاعية في رصد موقع إطلاق الصاروخ الكوري الشمالي، حيث كشفت الصور الملتقطة عن وجود استعدادات حثيثة تجريها كوريا الشمالية لاختبار صاروخ تايبودونج2 العابر للقارات. وهو الصاروخ القادر على ضرب ألاسكا، كما يمكن تزويده برؤوس نووية يعتقد بأن كوريا الشمالية تمتلك منها خمسة إلى ستة رؤوس. فكيف سترد الولايات المتحدة على هذا الأمر؟ أحد الردود الجريئة صدرت من "ويليام بيري" و"آشتون كارتر" اللذين شغلا على التوالي منصبي وزير الدفاع ومساعد وزير الدفاع في إدارة الرئيس كلينتون. ففي مقال نشراه بصحيفة "واشنطن بوست" قالا "إذا ما أصرت كوريا الشمالية على إطلاق صاروخها، فإن على الولايات المتحدة أن تعلن بوضوح نيتها قصف صاروخ تايبودونج2 وتدميره قبل إطلاقه". وبالطبع يعتبر هذا الموقف متشدداً بالنظر إلى العواقب الوخيمة التي قد يتسبب فيها شن الولايات المتحدة لضربة استباقية.

من تلك العواقب مثلاً أن يطلق رئيس كوريا الشمالية "كيم جونج" العنان لمدفعيته كي تقصف المناطق المدنية في كوريا الجنوبية مخلفة مئات الآلاف من القتلى. غير أن "بيري" و"أشتون" يجادلان بأن ذلك لن يحصل، ففي رأيهما لمَ تلجأ كوريا الشمالية إلى الانتقام من جارتها الجنوبية إذا نفذت الولايات المتحدة الضربة بشكل منفرد؟ الأكثر من ذلك يرى كاتبا المقال أن "قيام الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج بغزو كوريا الجنوبية سيؤدي حتماً إلى سقوط نظامه خلال أسبوع واحد من الحرب مع الولايات المتحدة، وهو شيء يعرفه الرئيس الكوري الشمالي جيداً". لذا يتوقعان أن تستوعب كوريا الشمالية الضربة الأميركية المحدودة بدل المغامرة بتحرك عسكري انتحاري. فهل ما ذهبا إليه صحيح، وكيف يمكن التأكد من ذلك؟ أقترح أن نرجع قليلاً إلى الوراء لنرى كيف تعامل "ويليام بيري" و"آشتون كارتر" مع أزمة كوريا الشمالية التي اندلعت في فترة الرئيس كلينتون، وكيف أشارا على الرئيس للخروج منها.

ففي 1994 طردت كوريا الشمالية المفتشين الدوليين من مفاعلها النووي في يونجبيون، وأعلنت استئنافها تخصيب اليورانيوم ما سيمنحها فرصة بناء ترسانة نووية في ظرف وجيز. وفي تلك الفترة قام وزير الدفاع "ويليام بيري" ومساعده "آشتون كارتر" بوضع خطة للهجوم تستهدف المفاعل الكوري الشمالي بضربات دقيقة تستخدم أسلحة تقليدية. والنتيجة المحتملة كما تخيلها المسؤولان حينها في 2002 هي "إطلاق كوريا الشمالية لأسلحتها المتقادمة باتجاه المنطقة منزوعة السلاح، ما سيؤدي إلى مقتل آلاف الجنود الأميركيين، وعشرات الآلاف من القوات التابعة لكوريا الجنوبية، فضلاً عن نزوح ملايين المواطنين الذين ستغص بهم الطرقات". لكن بالرغم من تلك الفظاعات المحتملة التي عدداها في خطتهما خلصا إلى أن استمرار البرنامج النووي لكوريا الشمالية هو أكثر خطورة. ولم يتم التخلي عن خطة الضربة الاستباقية إلا بعدما تدخل جيمي كارتر لحل الأزمة من خلال دبلوماسيته الشخصية المعهودة. والغريب أن "بيري" و"آشتون كارتر" لا يوضحان لماذا لن تقود الضربة الاستباقية التي يوصيان بها اليوم إلى الفظاعات ذاتها التي تم التنبؤ بها في السابق. وقد يسارع المسؤولان السابقان إلى ذكر التحسن في العلاقات الثنائية بين الكوريتين منذ ذلك الوقت. أو قد يقولان بأن الخطر النووي الذي تطرحه كوريا الشمالية يبرر القيام بضربة استباقية.

ومع ذلك يظل الموضوع ملتبسا ويلفه الغموض. فهل كان البيت الأبيض مستعداً فعلاً سنة 1994 بالدخول في مغامرة عسكرية ضد كوريا الشمالية؟ أم أن المسؤولين كانا يحاولان فقط التستر وراء غطاء الحزم والصرامة؟ ويبدو أن ذلك بالفعل ما كانا يقومان به على أرض الواقع، إذ لم يخفِ "بيري" في شهادته التي أدلى بها أمام لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس الأميركي سنة 1995 أن خطة الضربة الاستباقية لم تكن سوى "بديل نظري". فبعد أن تأكدا من أن الولايات المتحدة لها القدرة التكنولوجية للقيام بتحرك عسكري ناجح ضد كوريا الشمالية، هل أشارا "بيري" و"آشتون كارتر" فعلاً على الرئيس كلينتون بسلوك طريق الحرب؟ الجواب قطعاً لا. فخلال شهادته أمام لجنة الكونجرس كرر "بيري" نفيه مرتين قائلاً: "إني لم أوصِ الرئيس باختيار الحرب"، وفي المقابل اقترح "بيري" "فرض عقوبات صارمة على كوريا الشمالية كوسيلة للضغط الاقتصادي". والأكثر من ذلك أنه حتى هذا الخيار السلمي ترددت إدارة الرئيس كلينتون في العمل به بعدما أبدى "بيري" نفسه تخوفاً إزاء فرض العقوبات التي ستعتبرها كوريا الشمالية بمثابة إعلان حرب كما جاء في شهادته أمام جلسة الاستماع في الكونجرس.

وبالطبع كل تلك المواقف غنية بالدلالات، إذ في الوقت الذي كان فيه "بيري" و" آشتون كارتر" يتهيبان من رد كوريا الشمالية على التدخل العسكري الأميركي، بل ويضعان التصورات القاتمة حتى في حال فرض العقوبات الاقتصادية عليها، نجدهما اليوم ينصحان بشن ضربة استباقية لمنع إطلاق صاروخ كوري شمالي عابر للقارات. ومهما كانت ردة فعل جيم يونج على مغامرة عسكرية أميركية، فإن النصيحة التي قدمها المسؤولان السابقان تنم عن فقدان ذريع للذاكرة التاريخية.

كبير محرري مجلة "كومنتري" الأميركية

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -25-6-2006