الدور الباكستاني في أفغانستان

 

جيفري كمب

 

يشير تصاعد هجمات "طالبان" خلال الربيع الماضي, مصحوباً بأحداث الشغب والعنف التي شهدتها العاصمة كابول مؤخراً, إلى أن الوضع الأمني لا يزال مزعزعاً في أفغانستان. أما القتال والمواجهات الدامية في جنوبي البلاد, فقد اتسمت بالضراوة والشدة على نحو خاص. وهناك سببان رئيسيان يفسران زعزعة الأمن في هذا الجزء بالذات, على رغم مضي خمس سنوات على إسقاط نظام "طالبان"، ودحر صفوفها منذ أواخر عام 2001. أولهما تأثر العمليات العسكرية التي شنتها قوات التحالف في أعقاب انتصار الولايات المتحدة على نظام "طالبان", نتيجة لقلة عدد الجنود والمقاتلين الأميركيين, على رغم جودة مستوى تنفيذ تلك العمليات.

ذلك أن إدارة بوش أعطت الأولوية كلها في توظيف الموارد العسكرية والاقتصادية الأميركية لحملة الغزو على العراق. وبالنتيجة احتلت أفغانستان مرتبة ثانوية في حرب بوش المعلنة على الإرهاب. وبين هذا وذاك تظل أفغانستان أبعد ما تكون عن الوحدة, بينما عادت المخدرات لتحتل المرتبة الأولى في سوق الصادرات السوداء, مؤدية بذلك إلى عودة الفساد واستعادة السلطة والسطوة مجدداً للوردات الحرب. ولكل هذه الأسباب مجتمعة, يظل الرئيس المنتخب حامد قرضاي, أقرب إلى أن يكون "عمدة لمدينة كابول, منه رئيساً لأفغانستان كلها".

أما السبب الثاني المفسر لزعزعة الأمن هذه, فله علاقة بباكستان. والمقصود هنا أنه من الاستحالة بمكان, التصدي لمعضلة الوضع الأمني في أفغانستان, دون التطلع إلى تعاون باكستان فيها. لكن وعلى رغم بديهية هذه الحقيقة, لا تزال تبدي باكستان تردداً إزاء شن حرب شاملة ضد فلول "طالبان". وبالنتيجة لا يزال أسامة بن لادن طليقاً حراً, ولا يزال يواصل اختباءه في المناطق الحدودية المتاخمة لباكستان. والمشكلة الأكبر أن الجنرال برويز مشرف, يقدم الكثير من الوعود للولايات المتحدة الأميركية, ويكثر من حديثه عن عودة بلاده للنظام الديمقراطي, في حين لا يزال "الإسلاميون الراديكاليون" يتمتعون بحرية نسبية كبيرة في بلاده. ولا شك أن اللغز السياسي الرئيسي الذي يواجه حكومة برويز مشرف, هو كيفية تهيئة الأجواء والمناخ السياسي للعودة الانتقالية التدريجية للنظام الديمقراطي, في ذات الوقت الذي يتعين عليه فيه التصدي لهؤلاء "الإسلاميين الراديكاليين"! هذا ويتوقع أن يكون عام 2007 عام انتخابات حاسمة في باكستان, سوف تكون لها تداعياتها وعواقبها البعيدة الأثر على المنطقة بأسرها.

ويُعرف عن باكستان أن لها تاريخاً طويلاً مع الأنظمة الشمولية القمعية. لكن ومع ذلك فقد اتسمت مؤسساتها الرئيسية, بما فيها المؤسسات الصحفية والقضائية بقدر معقول من الاستقلال النسبي. كما تتسم غالبية الباكستانيين بالاعتدال والاتزان, وبتفضيلها لنظام الحكم الديمقراطي. وها هنا بالذات تكمن المعضلة السياسية. فالجنرال مشرف ليست له شعبية تذكر بين مواطني بلاده, وهي الحقيقة التي تدفعه إلى البحث عن أي تحالفات ممكنة مع "الإسلاميين" لتعزيز موقفه. وفيما لو أجريت انتخابات حرة ونزيهة بحق, فمن الأرجح أن يمنى فيها برويز بخسارة ماحقة. وتصدق هذه الحقيقة بالذات على إقليم بلوشستان, الذي يناصب حركة "طالبان" العداء, وحيث ينظر إلى مشرّف وحاشيته على أنهم حلفاء لـ"الإسلاميين المتشددين".

ويبقى أمر مختلف جداً, تردد باكستان وتلكؤها في التعاون التام مع الولايات المتحدة, في مشكلة عالمها عبد القدير خان وشبكته النووية غير المشروعة. فقد رفض مشرف قيام الولايات المتحدة بإجراء تحقيق مع عبد القدير خان, ليس لكونه بطلاً قومياً في نظر الباكستانيين فحسب, وإنما لمعرفة برويز مشرف وأعوانه وجنرالاته, بهذه الشبكة لحظة عملها المباشر تحت إشراف خان. ولهذا السبب يلح الكثيرون في الكونجرس الأميركي على ربط استمرار المساعدات الأميركية المقدمة لباكستان, بشرط استخلاص المزيد من المعلومات منها, فيما يتصل بعلاقة "خان" بعدد من الأنظمة في المنطقة الشرق أوسطية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-25-6-2006