النتائج المحتملة لإطلاق سراح "باعشير"

 

د. عبدالله المدني

 

أفرجت جاكرتا مؤخراً عن أبوبكر باعاشير (67 عاماً) ذي الأصول الحضرمية. وهو رجل دين مثير للجدل، يوصف بأنه الأب الروحي لتنظيم "الجماعة الإسلامية" ذات الامتداد في منطقة جنوب شرق آسيا والارتباط بتنظيم "القاعدة"، والمتهمة بالوقوف خلف معظم الحوادث الإجرامية في البلاد، ابتداء من مجزرة "بالي" عام 2002 وانتهاء بالعملية الانتحارية الثلاثية في الجزيرة نفسها عام 2005، مروراً بتفجيرات جاكرتا في عامي 2003 و2004، وذلك بعد أن قضى في المعتقل 26 شهراً كعقوبة لاستخدامه موقعه كداعية إسلامي في التحريض على العنف وتزعم تنظيم إرهابي محظور.

وما يعنينا هنا هو الآثار المحتملة لإطلاق سراح الرجل على أنشطة الجماعات الإندونيسية المتشددة وبالتالي على الأوضاع الأمنية في هذا البلد الذي يدين جل سكانه بالإسلام المعتدل المتسامح.

فعلى حين أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة بأن الإفراج عن "باعشير" لا يعني تغييراً في التزامات جاكرتا حيال الحرب الدولية ضد الإرهاب أو تراجعاً عن مواجهة أعمال العنف "الميليشاوية" بصرامة، وأن القرار يجب ألا يثير مخاوف، لأن تأثير الرجل لم يعد كما كان في السابق، بسبب نجاح الحكومة خلال السنتين الأخيرتين في تشتيت صفوف الجماعة الإسلامية وتقزيم إمكانياتها، فإن مراقبين كثرا لهم رأي آخر.

حيث قيل إن الإفراج عن الرجل المعجب بشخصية وأفعال أسامة بن لادن، من بعد عقوبة قصيرة وغير متناسبة مع التهم الموجهة إليه، سوف يرفع من معنويات أعوانه ويجعلهم أكثر تصميماً على تنشيط تنظيمهم المتشدد والتبشير بأفكارهم العنيفة. بل قيل أيضاً إن أعوان "باعشير" سيستغلون خروجه من السجن لتصويره كبطل صمد في وجه "قوى الاستكبار"، وبالتالي سيكون نجماً دائماً في كل الحشود الجماهيرية الراديكالية المنددة بالغرب. وهذه هي نفس وجهة نظر أستراليا التي فقدت أكثر من مائتين من رعاياها في عمليات "الجماعة الإسلامية". إذ سارع رئيس حكومتها "جون هوارد" إلى الإعراب عن أسفه لقرار الإفراج، مطالباً جاكرتا بتقييد تحركات "باعشير" ووضعه تحت مراقبة أمنية دقيقة، ومذكراً إياها بأن الرجل مدرج بقرار دولي ضمن رموز الإرهاب العالمي ممن يجب على دول العالم تجميد أموالهم وأصولهم ومنعهم من السفر والحيلولة دون تمكنهم من الحصول على أي دعم.

والحقيقة أن جاكرتا واجهت مع قرب انتهاء فترة محكومية "باعشير" خيارين صعبين. فان أبقته في المعتقل دون مسوغات قانونية اتهمت بانتهاك الدستور والقانون ومبادئ العدالة، وبالتالي جرت على نفسها المتاعب. وإن أفرجت عنه تعرضت لتنديد من بعض الحكومات الصديقة، ناهيك عن احتمالات أن يشجع ذلك على عودة الأعمال الإرهابية إلى وتيرتها السابقة، أو أن يفسد جهود بعض علماء الدين الإندونيسيين لتوعية مواطنيهم المسلمين من مخاطر التطرف والغلو والتفسيرات المتشددة للإسلام. وهي جهود انطلقت قبل أكثر من عام بدعم من الحكومة وكوسيلة من وسائل قطع الطريق على محاولات المتشددين للتغرير بالشباب وتجنيدهم للقيام بعمليات جهادية.

ويبدو أن جاكرتا قررت بعد تفكير أن تلجأ إلى الخيار الثاني، لكن مع ربطه بتأكيدات بأنها ستتبع خطى "باعشير" بدقة كي لا يعاود التخطيط لأعمال إرهابية أو التحريض على العنف، فضلاً عن ربطه بفكرة أن الرجل لم يعد ذا تأثير في صفوف أتباعه على نحو ما أسلفنا. غير أن المشكلة التي أثيرت على نطاق واسع هي أنه لئن كان بامكان السلطات الإندونيسية تقييد أنشطة "باعشير"، فإن ما لا يمكن توقعه هو نجاحها في إسكاته للحيلولة دون قيامه بغسل أدمغة الأميين والشباب المتحمس. إذ أن الخطورة لا تكمن في تحركات الرجل، بقدر ما هي في أفكاره الراديكالية التي يمكنه إيصالها إلى من يريد بألف طريقة وطريقة دون ترك ما يدينه، خاصة وانه يعتلي منبر الخطابة الدينية، ويدير مدرسة "المؤمن ناغروكي الإسلامية" الداخلية التي كان قد أسسها عام 1971 مع زميله "عبدالله سونغكار" في مدينة "سولو" على بعد 300 ميل من جاكرتا، فضلاً عن أنه أحد القادة التنفيذيين لـ"مجلس المجاهدين" الذي شكل في مدينة "يوغياكارتا" عام 2000 ليكون مظلة للجماعات والأفراد الساعين لتحويل إندونيسيا إلى دولة إسلامية مطبقة للشريعة.

لقد خيل للكثيرين وهم يستمعون للتصريحات التي أدلى بها "باعشير" فور خروجه من السجن، أن الرجل ربما راجع أفكاره السابقة داخل المعتقل على نحو ما حدث مع رموز "الجماعات الإسلامية" في مصر، أو بعض رموز ما يسمى بالصحوة في السعودية. بل قيل أكثر من ذلك مثل احتمال وجود صفقة بينه وبين الحكومة يتراجع بموجبها عن أفكاره مقابل إطلاق سراحه وعدم ملاحقته مستقبلاً. فإدانته علنا اللجوء إلى العنف كوسيلة للتغيير، وتحريمه الاحتكام للسلاح والتفجير في أجواء السلم، واتهامه بعض من اعتبروا طويلاً من أتباعه كالإرهابي الفار الماليزي الجنسية "نور الدين محمد توب" بتضليل المجاهدين الحقيقيين، كان شيئاً جديداً ومختلفاً عما عرف عنه أو عما اعترف به بعض أتباعه ممن اعتقلوا وحوكموا بتهمة ضلوعهم في عملية تفجير فندق ماريوت في جاكرتا في عام 2004 (مثل محمد ريس الذي تدرب في معسكرات الجهاد في أفغانستان و إسماعيل عبدالرحمن الذي تدرب في معسكرات جبهة مورو الإسلامية جنوب الفلبين) من أنه كان يرسل طلاب مدرسته إلى المعسكرات المذكورة، بل زار شخصياً معسكرات "جبهة مورو" في "مندناو" منتصف عام 2000 وألقى خطباً حماسية في منسوبيها للقتال بضراوة ضد الكفار والمشركين، وتبادل الرسائل مع بن لادن عام 2001، ومنها رسالة يدعوه فيه الأخير إلى الانتقال إلى أفغانستان.

لكن سرعان ما أتضح أن قناعات "باعشير" لم يطرأ عليها أي تغيير، بدليل مضامين الخطب التي ألقاها أمام أنصاره وطلبته بمجرد وصوله إلى مدرسته الدينية، والتي أعرب فيها عن اعتزازه بأفراد الميليشيات المقاتلة ووصفه لهم بالمجاهدين الأفذاذ لدفاعهم عن الإسلام، فضلاً عن قوله إن اتهامه بالإرهاب شرف له، وإن دخوله السجن لا يُقاس بالتضحيات التي قدمها الآخرون من أجل الدين. وفي السياق نفسه، بدا واضحاً أن التحريض ضد الآخر لا يزال لازمة لأحاديث الرجل، بدليل اتهامه للغرب بالتآمر ضد الإسلام وحثه أتباعه على التصدي لذلك بمختلف أنواع الجهاد حتى الموت، ودعوته "بوش الشيطان" و"هوارد المشرك" إلى اعتناق الإسلام كوسيلة وحيدة لحماية نفسيهما، ووصفه لما تعيشه إندونيسيا والدول الإسلامية المجاورة اليوم بالظلام الدامس الذي لا مخرج منه إلا بتطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية.

يُشار إلى أن حلم إقامة دولة إسلامية في إندونيسيا ظل يراود "باعشير" منذ زمن بعيد، وبسببه اعتقل وزُج به في السجن أواخر السبعينيات، قبل أن يطلق سراحه في منتصف الثمانينيات ويهرب من ملاحقات أخرى إلى ماليزيا حيث عاش 13 عاماً ولم يعد إلى بلاده إلا بعد الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق سوهارتو.

من جانب آخر، يُعتقد البعض أن الإفراج عن "باعشير" سيزيد من التوتر الراهن بين القوى المتشددة ممثلة في "جبهة المدافعين الإسلامية" بقيادة "حبيب رزاق"، والتي تنتهج أسلوب حشود الشوارع العنيفة للضغط من أجل مطالبها، وجماعة "نهضة العلماء" المعتدلة بقيادة الرئيس الأسبق "عبدالرحمن وحيد"، والتي يقال إن عدد منتسبيها يصل إلى 40 مليون عنصر. وكانت الأخيرة المعروفة بدفاعها عن علمانية الدولة وحقوق الأقليات قد طالبت الحكومة مؤخراً بحظر الجماعة الأولى إضافة إلى "مجلس المجاهدين"، بعد أن تمادى الطرفان في مطالبهما بتحريم الكثير من مظاهر الحياة التي اعتاد عليها الإندونيسيون كالاختلاط مثلاً.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-25-6-2006