مقالات و محاضرات

 

 

"دوفيلبان" وموسم الانتقادات والملاسنات

 

إلين سيولينو

 

حتى بمعايير الجمعية الوطنية الفرنسية المعروفة بعدم انضباطها وخروجها عن المألوف كانت جلسة يوم الثلاثاء الماضي استثنائية بكل المقاييس. فعندما وجه "فرانسوا هولاند"، زعيم الحزب الاشتراكي، نقداً لاذعاً إلى الحكومة الفرنسية على خلفية طريقة تعاطيها مع الأزمة التي تعصف بالشركة الأوروبية الأولى للطيران خرج رئيس الحكومة "دومينيك دوفيلبان" عن طوره وفقد السيطرة على أعصابه بشكل لافت. فقد انفجر "دوفلبان" على نحو شخصي ومليء بالغضب والحنق صارخاً أمام الجميع في الجمعية العمومية "إنني أندد أيها السيد هولاند بضحالتك، بل إنني أقولها في وجهك مباشرة، أنت جبان، نعم أنت جبان. وأكرِّرها أمام الملأ إن موقفك ينمُّ عن الجبن!" من جانبهم حاول أعضاء الحزب الاشتراكي في البرلمان الفرنسي إغراق صوت "دوفيلبان" بصرخات تنادي باستقالته، حيث ركض بعض النواب نحو رئيس الحكومة صارخين في وجهه قبل أن يخرجوا من قاعة البرلمان.

وفي تعليقه على ما صدر من "دوفيلبان" قال "هينري إيمانويلي"، وهو نائب "اشتراكي" والرئيس السابق للجمعية الوطنية "لقد فقد عقله تماماً". وهكذا انتهت الجلسة العادية للبرلمان الفرنسي التي حضرها إلى جانب "دوفيلبان" وزراء آخرون على وقع الصراخ وتبادل الاتهامات. يشار إلى أن انفجار رئيس الحكومة الفرنسية في وجه النواب "الاشتراكيين" جاء إثر الاتهامات التي وجهها "هولاند" إلى الحكومة على خلفية الفضيحة التي تحيط حالياً بطائرة "جومبو" الجديدة التابعة للشركة الأوروبية للطيران، لاسيما الجدل المثار حول الصفقات التجارية التي أجراها المدير التنفيذي للشركة الأم المعروفة باسم "الشركة الأوروبية للدفاع الفضائي". وتوترت الأجواء بالأخص عندما وجه "هولاند"، زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي، سؤالاً حرجاً حول ما إذا كانت الحكومة الفرنسية ستستمر في دعم المدير التنفيذي للحكومة "نويل فورجيرد". ولم يقتصر انتقاد "هولاند" لـ"دوفيلبان" على فضيحة شركة الطيران فقط، بل تعداه بهجومه على رئيس الحكومة معتبراً أنه لن يتمكن من استعادة ثقة الشعب التي فقدها باللجوء إلى مقاضاة الصحفيين في قضية تشهير. فقد لجأ "دوفيلبان" يوم الاثنين الماضي في خطوة غير معهودة برفع دعوى قضائية على صحفيين ألفوا كتابين حول ما بات يعرف بقضية "كليرستريم"، وهي فضيحة مالية مُعقدة تورط فيها رئيس الحكومة. والغريب أن خطوة "دوفيلبان" تنطوي على مغامرة سياسية خطرة، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار احتمال استدعائه من قبل المحكمة للإدلاء بشهادته حول الموضوع.

وترجع خيوط القضية إلى الاتهام الذي وجه إلى" دوفيلبان"، ويصر هو على عدم صحته، بشأن إيعازه للسلطات الأمنية بفتح تحقيق سري سنة 2004 يطال وزير الداخلية وغريمه السياسي "نيكولا ساركوزي"، الذي كان محط شبهة بشأن تورطه في فضيحة "كليرستريم" لتبرأ ساحته لاحقاً. وبعد النهاية المؤسفة لجلسة الثلاثاء البرلمانية بسبب ما تخللها من ملاسنات وتنابز بين أعضاء الجمعية الوطنية من الاشتراكيين ورئيس الحكومة تقدم "هولاند" بطلب اعتذار رسمي من "دوفيلبان" قائلاً: "إن رئيس الحكومة هو من عليه أن يعيد أجواء الهدوء والاحترام إلى الجمعية الوطنية"، مضيفاً أن دوفيلبان "خرج عن طوره وفقد السيطرة على نفسه تماماً". وقد ارتفعت الأصوات المطالبة باستقالة "دوفيلبان" وازدادت حدتها في الآونة الأخيرة حتى في صفوف الحزب الذي ينتمي إليه هو "اتحاد الحركة الشعبية"، لاسيما بعد فشل مبادرته في تغيير قانون الشغل الذي كان يهدف إلى تسهيل اندماج الشباب العاطل في سوق العمل. هذا القانون الذي أثار موجة واسعة من الاستياء أسفرت عن تنظيم مظاهرات عارمة معارضة لبنوده، ما اضطر "دوفيلبان" إلى سحبه.

وفي استطلاع للرأي أجرته صحيفة "لو جورنال دو ديمانش" الأسبوعية جاء أن معدل شعبية رئيس الحكومة انخفض إلى 23% مقارنة مع 28% في الشهر الماضي. والأكثر من ذلك تعرض "دوفيلبان" لوابل من الانتقادات من قبل الصحافة الفرنسية، وهو الذي كان يعتبر قبل موجة الأزمات التي لاحقته أحد أهم مرشحي وسط اليمين في الانتخابات الرئاسية المقبلة وأوفرهم حظاً. وفي هذا الإطار قام رسام الكاريكاتير في صحيفة "لوموند" بتصوير "دوفيلبان" على أنه متشرد تقطعت به السبل ومحشور في صندوق كارتوني، محيلاً إلى طبيعته البيروقراطية. وعلى صعيد متصل عنونت نفس الصحيفة افتتاحيتها ليوم الاثنين الماضي بـ"نهاية حكم" مشيرة إلى عجز "دوفيلبان" عن الحفاظ على مكانته السياسية والدفاع عنها. وأضافت الصحيفة أنه إذا "استمر الرئيس جاك شيراك في تمسكه برئيس حكومته فإن عليه أن يغادر الرئاسة". وعكس ما يعانيه "دوفيلبان" من شعبية متدنية وصلت إلى الحضيض تحظى "سيجولين رويال"، شريكة "هولاند" والنائبة عن الحزب الاشتراكي في الجمعية الوطنية بشعبية كبيرة في استطلاعات الرأي، إذ تشير إليها كأقوى المرشحين في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

مراسلة "نيويورك تايمز" في باريس

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإاحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"- 24-6-2006