مقالات و محاضرات

 

 

العرب و"الهوس الخفيف"!

 

د. أحمد البغدادي

 

في كتابه القيِّم "الإنسان المهدور: دراسة تحليلية اجتماعية", يرى الدكتور مصطفى حجازي في الفصل المخصص لـ"الديناميات النفسية للإنسان المهدور ودفاعاته", وهو هنا يتقصَّد الإنسان العربي على وجه التحديد, أن مكافحة الإنسان لحالة الهدر الاجتماعي التي يعيشها تتمثل من خلال وسائل عدة, مثل, الاحتماء بالماضي في أوقات الهزيمة الجماعية, حيث تنكفئ الجماعة إلى العيش في الأمجاد التاريخية, ووهم إمكانية استعادتها بما يوفر توازناً وجودياً بديلاً. من ذلك ما تعيشه الشعوب المقهورة والمهدورة من إحساس بالاعتزاز والقيمة من خلال الاستغراق في سير الأبطال الشعبيين, واستعادة أمجاد التاريخ. وبدلاً من التصدي للواقع ومعالجة أزماته وقضاياه تتكاثر المسلسلات على مختلف القنوات التلفزيونية حيث البطولات التي يتفنن الكتّاب والمخرجون في إبرازها. ومن خلال مشاهدتها والتعايش معها تجد الجماهير بعض العزاء من خلال استرداد الاعتبار المفقود راهناً واستبداله بالتماهي ببطولات الأجداد.

من الوسائل الأخرى التي يستعين بها الإنسان المهدور لاستعادة المجد الضائع والقيمة الذاتية, ما يطلق عليه الدكتور حجازي: "الهوس الخفيف", القائم, بالنسبة للإنسان المهدور, على إيهام الآخرين بالقدرة على القيام بما يعجزون هم عن القيام به. وتتم كل هذه الادعاءات التي تهدف إلى إبهار الآخرين, وإيهام الذات في آن معاً, على خلفية النشاط المفرط, وسرعة التحرك والاستجابة والمبادرة التي تصطنع وهْم الإنجازات. وحيث الطلاقة والحيوية والتضخم الذاتي, والاعتداد بالقدرات والإمكانات، وكذلك زيادة الحديث عن المعتاد, والقفز إلى الاستئثار بالكلام, مع تطاير الأفكار حيث ينطلق الواحد من هؤلاء في روايات وادعاءات تجر بعضها بعضاً آخر في سلسلة متصلة بدون توقف, انطلاقاً من مثيرات خارجية تافهة والتعليق عليها, ونسج الروايات حولها.

بالله عليكم, ألا ينطبق هذا الهوس الخفيف على رجال الدين الذين يتصدَّرون القنوات الفضائية والذين,(يلعلعون) بمناسبة وبدون مناسبة في معظم الأحيان, ويخوضون في شتى الموضوعات. ومستمعوهم فاغرو الأفواه بكل بلاهة يستمعون لموضوعات يعرفونها سلفاً مما درسوه في مراحل التعليم المختلفة, لكنها تأتيهم بكل بلاهة, في أكياس جديدة.

ألا يجسّد هذا الوضع المؤلم للإنسان العربي الذي فقد ثقته بنفسه, وساد العجز الذاتي أركان حياته التي خلت من الإنجاز الحضاري, وجاء البعض بكل صفاقة, وملأها بالخرافات والأحاديث الفاضية التي لا معنى لها؟ ومن الواضح أن حالة "الهوس الخفيف" التي يعيشها بعض رجال الدين, بسبب خواء الحياة العربية من المنجز الحضاري, قد أصبحت مجالاً مربحاً مادياً ونفسياً لهم في مواجهة الذات العربية المعطوبة. ومن الواضح أيضاً أن الجميع مستفيد من هذا "الهوس الخفيف". الناس المغيبة ورجل الدين الذي اغتنى بالمال والنفوذ, وبعض النظم السياسية التي وجدت في هذا الهوس الخفيف ما يلهي الناس عن مساوئها وتردي أداء عملها في الخدمات العامة.

أعتقد أن العرب بحاجة فعلاً للعلاج النفسي للخروج من دائرة العجز العسكري في مواجهة إسرائيل, والمدني, والحضاري.. وأعتقد أن حتى هذا العلاج لا ينفع, لأن بني العربان وصلوا إلى حالة... فالِج لا تعالج. والفالج, لمن لا يعلم هو الشلل النصفي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإاحاد الإماراتية- 24-6-2006