«أفغنة» الصومال تشعل القرن الأفريقي

 

هدى الحسيني

 

فوجئت الاطراف الخارجية التي كانت تركز اهتمامها في الصومال على الحكومة الفيدرالية الانتقالية وعلى أمراء الحرب، بالسرعة التي اكتسح بها اتحاد المحاكم الاسلامية تحالف مكافحة الارهاب وامراء الحرب، وسيطر على جنوب الصومال. المحللون قالوا إن سبب ذلك يعود الى الصراعات المزمنة التي كانت تعصف بمقاتلي امراء الحرب والتي جعلت حياة الصوماليين جحيماً، خصوصاً في العاصمة مقديشو، وفي هذا الكثير من الصحّة، لكنه غير كاف او حاسم في مسألة الاكتساح، لأن تحالف المحاكم الاسلامية عبارة عن مظلة من 14 محكمة تجمع اطرافاً محلية منقسمة هي الاخرى على ذاتها، فالإسلاميون المعتدلون يسيطرون على 11 محكمة ويسيطر المتشددون على ثلاث محاكم.

لقد عرف اتحاد المحاكم الاسلامية كيف يستغل دعم الولايات المتحدة لتحالف مكافحة الارهاب، ودور الاستخبارات الاثيوبية فيه، ويحرك النزعة الوطنية التي تبعد عنه الاصولية المتشددة، وفي المظاهرات التي سارت في مقديشو رفضاً لدخول قوات حفظ سلام اجنبية، هتف المتظاهرون:«لا لإثيوبيا، لا لحكومة إثيوبية».

بعد سيطرتها على العاصمة، تحركت المحاكم الاسلامية واحتلت جوهر المدينة الاستراتيجية والمعقل الاخير لأمراء الحرب، ثم اتجهت وسيطرت على بلدوين بالقرب من الحدود الاثيوبية من دون اي مقاومة تذكر. أثناء اقتراب المحاكم الاسلامية من بلدوين، حشدت اثيوبيا قوات على الحدود مع الصومال لتحذير المحاكم الاسلامية من محاولة التأثير على المسلمين في اثيوبيا الذين يشكلون 40% من السكان. وبعد اتهامات متبادلة اكدت التقارير الصحفية في 18 الجاري ان القوات الاثيوبية دخلت الاراضي الصومالية في الطريق الى بيداوة، ويمكنها ان تتجه نحو جوهر، وهدد زعيم المحاكم الاسلامية احمد شيخ شريف احمد اثيوبيا، انها اذا لم تسحب قواتها فسوف تواجه مقاومة مسلحة.

الخطوة الاثيوبية هي اول رد فعل صدامي على صعود المحاكم الاسلامية الذي فاجأ كل اللاعبين على المسرح السياسي الصومالي. وكان اكبر الخاسرين امراء الحرب الذين تشتتوا واسرعت البحرية الاميركية لإنقاذ اثنين منهم، فيما اعلن قسم آخر الولاء للمحاكم الاسلامية وهرب القسم الباقي إما الى حمى قبيلته او الى الخارج. اما زعماء القبائل الذين كانوا يدعمون امراء الحرب فقد اسرعوا في تغيير ولاءاتهم على امل مشاركة المحاكم الاسلامية في الحكم. وتحركت الحكومة الفيدرالية الانتقالية، الضعيفة اصلا والمدعومة دولياً ، لأجل فتح حوار مع المحاكم، لكنها سبقت ذلك بموافقة برلمانها على السماح لقوات حفظ سلام اجنبية بالدخول الى الصومال، الامر الذي تعارضه بشدة المحاكم. اما منظمة الهيئة الحكومية للتنمية (ايغاد)، التي تضم الصومال واثيوبيا والدول التي تجاورهما: جيبوتي، اريتريا، كينيا، السودان واوغندا، فانها عقدت جلسة استثنائية ووافقت على مبدأ ارسال القوات، وكلفت اعضاءها تجميد اموال امراء الحرب ومنعهم من دخول اراضيها متهمة اياهم بارتكاب جرائم ضد الانسانية. وفي السابق كانت اغلب هذه الدول تدعم طرفاً من هذه الاطراف.

الولايات المتحدة، التي كانت قد دعمت امراء الحرب الذين وعدوها باعتقال المقاتلين الاسلاميين المختبئين في مقديشو وتسليمها اياهم، اضطرت لمواجهة الواقع واسرعت في تشكيل مجموعة اتصال من حلفاء اوروبيين (ايطاليا وبريطانيا الدولتان اللتان استعمرتا الصومال سابقا وايطاليا نفسها كانت تمد امراء الحرب المقاتلين بالسلاح)، والنرويج والسويد، وتنزانيا الدولة الشرق افريقية الوحيدة خارج «ايغاد»، وذلك لانقاذ الحكومة الفيدرالية الانتقالية ومنع الاسلاميين من الاستيلاء الكلي على جنوب الصومال.

تشكلت اول محكمة اسلامية عام 1994، عندما انسحبت الولايات المتحدة من قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة، بعدما خسرت 18 من قوات المارينز في معركة مع ميليشيا محمد فرح عيديد في مقديشو. إهدار مهمة قوات حفظ السلام تركت العاصمة في ايدي امراء الحرب الذين تقاتلوا دفاعا عن مصالحهم، وعجز زعماء القبائل عن ملء الفراغ الامني فأخذ رجال الدين المسؤولية عنهم، وخلال 14 سنة تزايد عدد المحاكم الاسلامية حتى وصل الى 14، واعتمدت الشريعة الاسلامية، ووفرت الخدمات الاساسية وحاولت فرض النظام، ثم فتحت المدارس والمستوصفات الطبية، وقد ساعدها رجال الاعمال الذين عانوا على يد امراء الحرب، ثم انشأت ميليشيا ولاقت ترحيبا من ابناء العاصمة بالذات الذين بدأوا يعيشون حياة طبيعية نوعا ما. شعر امراء الحرب بالخطر، وفي الوقت نفسه اقلق بروز الاسلاميين واشنطن، وفي شباط (فبراير) الماضي شكل بعض زعماء الحرب تحالف مكافحة الارهاب، وبدأوا في مقاتلة المحاكم تحت شعار الحرب على الارهاب، وادت صدامات وقعت في شباط (فبراير) وآذار (مارس) الى سقوط 85 قتيلا، وتمت تهيئة المسرح للمواجهات الاخيرة.

يقول مصدر اوروبي، ان المحللين الافارقة مقتنعون بان آيديولوجية تحالف مكافحة الارهاب كانت محاولة انتهازية لكسب دعم واشنطن، وقد اثمرت، ويضيف انه في شهر شباط الماضي وصل رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية آنذاك بورتر غوس الى كينيا والتقى مجموعة تحالف مكافحة الارهاب واتفق معهم على ملاحقة اشخاص من تنظيم القاعدة مقابل تمويل العمليات العسكرية لامراء الحرب، وقد ساهمت الاستخبارات الاثيوبية في كل هذه «الطبخة»، ونالت حصتها من الاموال.

تركزت سياسة واشنطن في الصومال على اعتقال الارهابيين الاجانب، وهذا ما دفعها الى دعم تحالف مكافحة الارهاب. لكن المراهنة على الحصان الخاسر تركت واشنطن في الفراغ الآن وكشفت عجز وكالة الاستخبارات المركزية، فهي كانت اساسية في تقرير السياسة المتبعة وفشلت في تقدير قوة المحاكم الاسلامية. وفي شهادته امام لجنة العلاقات الخارجية اعترف منسق مكافحة الارهاب في الخارجية الاميركية هنري كرامبتون، بأن واشنطن لم تخمِّن بشكل صحيح قوة المحاكم، وان لديها فهماً خاطئاً للمجموعة.

ويرى المصدر الاوروبي ان تشكيل مجموعة الاتصال يمثل تسلم وزارة الخارجية الاميركية تقرير سياسة واشنطن في الصومال، فالخارجية تضغط من اجل اعتماد مبادرات ديبلوماسية متعددة الاطراف، في مواجهة السياسة الاحادية التي تدعو الى اعتمادها وزارة الدفاع ومكتب نائب الرئيس ديك تشيني.

وكان مسؤولو المحاكم وجهوا رسالتين الى واشنطن اكدوا فيهما انهم لن يأووا الارهابيين، كما ان دولا عربية نصحت واشنطن بإقامة علاقات مع المعتدلين في المحاكم الاسلامية لمنع سيطرة المتطرفين عليها. ويرى محدثي ان المحاكم مقتنعة بان واشنطن تعمل يدا بيد مع اديس ابابا، وان اثيوبيا ما كانت لتحشد قواتها من دون تشجيع اميركي.

وتتطابق نظرة المحاكم الى اثيوبيا مع نظرتها الى اليمن، اهم لاعب عربي على المسرح الصومالي، وذُكر ان صنعاء كانت تمد الحكومة الفيدرالية الانتقالية بالسلاح اثناء تقدم ميليشيا المحاكم، وحاولت في نهاية الاسبوع الماضي القيام بدور الوسيط الحيادي، وقالت ان الرئيس الصومالي عبد الله يوسف وزعيم المحاكم شيخ احمد قبلا وساطتها، لكن تبين ان الامر ليس بصحيح، وان اليمن يجري اتصالات مع الولايات المتحدة تشمل الصومال.

ان صفحة جديدة فُتحت في الملف الصومالي، ومن المؤكد ان بين الذين يرصدون التطورات الصومالية القاعدة والجهاديون الاسلاميون، وهناك من قال ان انتصار المحاكم هو هزيمة للولايات المتحدة. قد يصبح الامر كذلك اذا تُرك الوضع من دون اي تدخل لانقاذ الحكومة الانتقالية، وقد نشهد افغانستان في القرن الافريقي على البحر الاحمر. لكن ما يطمئن قليلا ان قوات من المارينز ومن القوات الخاصة موجودة منذ فترة في قاعدة فرنسية في جيبوتي شمال الصومال، وتشن حربا هادئة على الارهابيين تساعدها دول اوروبية وافريقية وعربية. والصومال جزء اساسي في تلك الحرب لأنها قد تؤثر على كل المنطقة بما فيها كينيا واثيوبيا واريتريا.

حاليا تجد القاعدة ملاذا آمنا في مناطق في افغانستان، وباكستان، وفي اجزاء من العراق، لكنها لا تسيطر على بلاد بأكملها، وهذا ما تسعى اليه، واذا نجحت المحاكم في توسيع انتصاراتها والقضاء على كل الاطراف الاخرى في الصومال، والاهم في ان تصبح هي قوة واحدة متجانسة في مواجهة كل الانقسامات الداخلية والضغوط الخارجية، تحصل القاعدة على مبتغاها، خصوصا انها تفاخرت بانها كانت وراء الفخ الذي ادى الى مقتل 18 من المارينز الاميركيين في مقديشو.

حتى لو نجحت المحاكم الاسلامية في تقوية نفوذها وسيطرتها، يبقى الوضع الصومالي عرضة للتغيير. ان القاعدة موجودة في المنطقة منذ التسعينات، وقد يُظن انها قد تستغل الفوضى في الصومال كغطاء لعملياتها في المنطقة، لكن المواجهات المتوقعة هناك ستمنع القاعدة من إقامة بنية تحتية قوية، لأن كل الانظار تتجه الآن الى الصومال والمنطقة ، ثم ان لا بد للولايات المتحدة ان تتذكر أن اهمالها لافغانستان بعد انتهاء الحرب الباردة، ادى الى طالبان في الحكم والى القاعدة والارهاب. كما انها تعرف ان فوضى في الصومال او في مناطق اخرى في القرن الافريقي توفر ارضا خصبة للمتطرفين ليقيموا قواعد لتدريباتهم.

لقد آن الاوان كي يتم انقاذ الشعب الصومالي من الجوع، والمعاناة والقتل، وقد يكون الوقت حان من اجل وضع حد لمرحلة اللادولة في الصومال. باختصار كانت تجربة مريرة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتية في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط الندنية-22-6-2006