مقالات و محاضرات

 

 

ماذا بعد حكومة الوحدة الوطنية ؟

 

عمار الكعبي

 

تشكيل حكومة وحدة وطنية، والإقرار بمبدأ المصالحة، وقتل الزرقاوي، والخطة الأمنية القاضية بتأمين العاصمة، كلها خطوات تمثل على ما يبدو الفرصة الأهم لتأسيس تفاهم عراقي، ولتعاقد مكونات عراقية لتكوين الدولة بعد صدام، وفق آلية الشراكة، لكن ماذا بعد هذه الخطوات، هل ستكون هذه الفرصة هي الأخيرة؟ ماذا بعد النجاح، وماذا بعد الفشل؟ هل سيسعى العراقيون من جديد إلى تجربة خطة أمنية أخرى إن فشلت الخطة الحالية؟ وهل سيسعون إلى تأسيس حكومة وحدة وطنية من نوع مختلف إن انهارت الحكومة الحالية؟ أم أنهم سيبحثون عن حل جذري لهذا الوضع الدموي؟ أم سينتهي المطاف العراقي إلى واقع يجبر العراقيين على التعاطي معه؟

من المؤكد أن نجاح هذه الخطوات سيسهم في تشكيل صورة جديدة للشراكة العراقية على ارض الوطن، وبالتالي ستتأسس في العراق حكومة قادرة على حماية اللبنات الأولى لتكوين الدولة العراقية المعاصرة. فالنجاح سيغير الوضع القائم حاليا. وسيضع تدريجيا حدا للصراع الدموي الحادث؛ ولا يعني النجاح نهاية التجاذبات السياسية، على العكس سوف يكون النجاح فاتحة لدخول العراق في إطار اصطفافات جديدة، وتكتلات مختلفة عن تلك التي شهدناها في مرحلة التأسيس؛ هذا إن نجحت.

 وان لم تنجح فان سؤالا رهيبا سيطرح نفسه علنا بعد أن بات مطروحا في بعض الأوساط سرا. السؤال يدور عن جدوى استمرار وحدة العراق. فالفشل سيدفع باتجاه تعميق الانقسام والفرز الطائفيين، وسوف يوسع من دائرة العنف وسفك الدماء ما يجعل الشارع العراقي الباحث عن وحدة الوطن دوما مستسيغا للتقسيم.

وهناك الكثير من التفصيلات تشير إلى أن هذه القضية قد بدأت من الناحية الواقعية. فحديث رئيس إقليم كردستان عن انفصال الكرد إن حدثت حرب أهلية في العراق، والتهجير الطائفي للشيعة من المناطق السنية والسنة من المدن الشيعية، وحالة شبه الصمت حيال هذا النزوح، ومن ثم حديث السيناتور الأميركي الديمقراطي جوزيف بايدن عن خيار تقسيم العراق إلى ثلاث دول وطرحه على الكونغرس رغم التصويت ضده... بدايات تؤشر إلى احتمالية تطور هذا السيناريو ليكون في واجهة الحلول التي لم يكن فيما سبق إلا القليل ممن يفكر به، والاهم من ذلك أن الكثير من المواطنين باتوا غير متحسسين تجاه الحديث عن التقسيم، فالعديد من كتاب الانترنت العراقيين باتوا يشرعنونه، واضحى المواطنون يتعاطون معه بشيء من التفهم. اليوم تحديدا تحدثت مع صاحب سيارة أجرة عن هذا الموضوع فإذا به يقول لي: إننا نبحث عن الاستقرار سواء في العراق الموحد ام في العراق المقسم، وما هذا الكلام إلا انعكاس لما يدور في خلد العديد من المواطنين في العاصمة وسواها من المحافظات، وخصوصا في محافظات جنوب بغداد.

 وعلى الساسة التفكير بشكل جاد باحتمال ان يطرح هذا الخيار علنا ليصبح بشكل تدريجي واقعا يتم التعامل معه كما هو حال الطائفية. ولنتذكر جيدا أننا أخطأنا كثيرا عندما اعتمدنا على مقولة أن القتل الواسع في صفوف الشيعة لن يؤدي إلى رد فعل معاكس شديد ما دامت مرجعياتهم الدينية ترفض هذا الخيار. من يدري قد تصيب العراق ضربة جديدة كتلك التي حدثت في سامراء تسرع من وتيرة البحث عن خيار التقسيم.

من المؤكد أن تقسيم العراق حاليا خيار غير ممكن الحدوث نظرا للتداخل الجغرافي والاجتماعي الكبير بين المكونين الشيعي والسني، ونظرا إلى تخوف الكثيرين من طرح مثل هذه القضية كونها تمس الخط الأحمر وهو وحدة العراق، ونظرا إلى الوضع الإقليمي الرافض للتقسيم، واستنادا أيضا إلى انه خيار سيدفع بنشوب حرب بين المقاطعات المنقسمة. لكنه بلا شك سيكون ممكنا بعد  أن تكتمل مقدماته، واقتنع به الأميركيون كخيار أخير. ولن ينجح اللجوء إلى تدعيم نظام دكتاتوري جديد في العراق، كما يظن البعض، فما فعلته النظم المستبدة لم يكن أكثر من تأخير ظهور هذا الوضع بشكله الحالي.

علينا أن نفكر بجدية بأن هذا الخيار يمكن أن يطرح نفسه، ولا نغش أنفسنا، كما فعلنا عندما لم نقر بوجود شرخ طائفي بين العراقيين. وسيكون أمام الساسة الذين أعلنوا أنهم حريصون على وحدة العراق أن يسعوا بجدية إلى رفع كل أشكال الشرعية عن المجاميع المسلحة ودعم أي استقرار امني، والتعامل بشفافية مع الأجهزة الأمنية. فالمكاسب السياسية التي يمكن أن تحققها الأحزاب في عراق موحد لن تكون موجودة إن انقسم العراق.

كاتب واعلامي عراقي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-22-6-2006