أسبانيا... هل تطوي صفحة الماضي أم تعيد قراءتها؟

 

أنتوني بيفار

 

عاد إلى واجهة الأحداث خلال الأسابيع القليلة الماضية بعض من تاريخ أسبانيا غير المقروء. حدث ذلك في مدينة فالينسيا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يدل مرة أخرى على أن جميع الدول تظل مرتبطة بتاريخها.

أما مناسبة هذا الحديث، فهي رغبة عمدة المدينة المحافظ في إنشاء مقبرة جديدة في مكان دفنت به جثامين 5039 يسارياً قتلوا بعد الحرب الأهلية الأسبانية، وهي فترة شهدت مقتل أكثر من 26000 شخص في فالينسيا لوحدها. وبالنسبة لليسار، يعد هذا الأمر إهانة لذكرى "الرفاق" الذين قتلوا، ومحاولة لصب الإسمنت على مقبرة جماعية سياسية. وكان من نتائج ذلك أن أثير جدل محتدم حول الموضوع وصل اليوم إلى المفوضية الأوروبية.

فبعد أكثر من ثلاثة عقود على وفاة الجنرال فرانسيسكو فرانكو، ما زالت الحرب تثير في أسبانيا الشعور بالمرارة والانقسام إلى اليوم. أما نقاط الخلاف، فتكمن في نجاح عملية التحول التي شهدتها أسبانيا في حد ذاتها. لقد أعجب العالم بأسره بانتقال أسبانيا إلى الملكية الدستورية والديمقراطية بعد وفاة فرانكو في 1975. غير أن العملية تطلبت ما أصبح يعرف لاحقاً بـ"ميثاق النسيان"، حيث لم تتم محاكمة أي من الجنرالات أو الجلادين، كما لم تقم أي لجنة حقيقية برصد ماضي أسبانيا. وهكذا، مات النظام في فراشه وإلى جانبه مؤسسه. وهناك تكمن في الواقع المشكلة بالنسبة لليسار، حيث لم يتسنَّ له إسقاط النظام والمشاركة في عملية تحول أسبانيا. وبالتالي، فإنه يجب كسر ميثاق النسيان هذا حتى يفهم الأسبان كيف أمكن حدوث المأساة. غير أن أسوأ نتيجة قد تحدث، ستكون العودة إلى خطوط معركة الماضي الدعائية.

وحتى اليوم، وعلى غرار قدماء الجناح اليميني (المعروفون في أسبانيا باسم "نوستالجيكوس"، أي أولئك الذين يشدهم الحنين إلى عهد فرانكو) الذين يرفضون الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت في حملة فرانكو، مازال معظم الاشتراكيين يرفضون الاعتراف بأن حكومة الجبهة الشعبية اليسارية لعام 1936 لم تكن ضحية بريئة تماماً، إذ لم تقم أبداً بالتنديد بأنصارها على خلفية محاولتهم إسقاط الحكومة اليمينية المنتخبة بطريقة قانونية في 1934. بل إن بعضهم يرفض حتى الاعتراف بأن الإضرابات وأعمال الشغب والاستيلاء على الأراضي وإحراق الكنائس ساهمت في انهيار القانون والنظام في ربيع 1936.

في يونيو من ذلك العام، أصبحت أسبانيا غير قابلة للحكم، ووصلت بها الفوضى إلى درجة أن اليمين يمكنه أن يتحجج اليوم بأن انتفاضة عسكرية كانت ستحدث في جميع الأحوال، وهي لم تكن موجهة ضد الحكومة المنتخبة وإنما بسبب انعدام الحكومة. والحقيقة أن فرانكو انتهز المناسبة لسحق الديمقراطية، غير أن انعدام حس المسؤولية في أوساط الفصائل اليسارية منحه تلك الفرصة، بالرغم من تحذيرات الزعماء الأكثر اعتدالاً المتكررة لتلك الفصائل من عواقب أعمالها، ولكنها كانت ترفض الإصغاء.

بعد وفاة فرانكو، بدأ الإحساس بالاستياء والإجحاف يسود في أسبانيا، ولكن فقط بعد أن تراجعت جميع التهديدات العسكرية. والواقع أنه يمكن تفهم الاستياء الذي يشعر به اليسار، ذلك أنه تعرض للإذلال في هزيمة 1939 وطيلة سنوات الحكم الديكتاتوري، وهو استياء استمر حتى حينما وصل الاشتراكيون إلى السلطة لأول مرة منذ نصف قرن بسبب الصمت إزاء ما حدث في الماضي، حيث تم دفن الضحايا اليمينيين الذي سقطوا في المجازر اليسارية خلال الحرب كشهداء، أما جثامين الجناح اليساري فقد تركت لتتعفن في مقابر مجهولة.

لم يكن لأحدث ضربة تتلقاها أسبانيا في وحدتها الوطنية علاقة بالحرب الأهلية، غير أن تلك الانقسامات القديمة سرعان ما طفت على السطح. حدث ذلك بعد انفجارات القطار بمدريد في الحادي عشر من مارس 2004، وهي الانفجارات التي أصر رئيس الوزراء السابق خوسيه ماريا أثنار على أن ينسبها لحركة "إيتا" الانفصالية قبل أن يتبين أنها من فعل إسلاميين متشددين. وانعكس غضب الأسبان من "أثنار" على نتائج الانتخابات التي منحت الفوز للاشتراكيين.

وقد قوى شعور الأسبان بالغضب والتذمر إزاء "أثنار" أيضاً ذلك التوجس الأسباني الدائم من الجيوش والحروب الخارجية، والذي يذكر بانهيار الإمبراطورية الأسبانية في نهاية القرن التاسع عشر. بل إن "أثنار" ضاعف من مشاعر الاستياء هذه باللعب على مطالبة أسامة بن لادن بأسبانيا باعتبارها جزءاً دائماً من العالم الإسلامي. ولكنها كانت لعبة خطيرة لأن من شأنها تأبيد الاستقطاب القديم بين الإسلام والمسيحية الذي كان سائداً قبل ظهور الشيوعية والفاشية، وقد يحل محلهما مرة أخرى.

والواقع أنه لا طرف خرج منتصراً في أسبانيا، سوى لفترة قصيرة. وها هي البلاد منقسمة على نفسها من جديد بخصوص تاريخها –وهو دليل إضافي على الصعوبة الكبيرة التي يجدها الأسبان في فصل هويتهم السياسية عن ماضي البلاد. والحقيقة أنني شعرت بالإحباط في سبتمبر المنصرم عندما سأل صحافيون أسبان عما إن كان بالإمكان تشبيه الانقسامات الحالية بتلك التي تسببت في الحرب الأهلية.

الواقع أن أسبانيا في حاجة اليوم إلى ميثاق للتذكر، وليس للنسيان. غير أنه يجب أن يكون قائماً على مقاربة مختلفة تماماً في التعامل مع الذاكرة. ميثاق يتفادى الدعاية المتجددة التي كانت سائدة في الماضي، وميثاق يقر بالعواقب الوخيمة التي يمكن أن تترتب على رفض التوافق. إن الأسبان يتميزون بالعديد من الخصال والقيم الإيجابية، ولاسيما الكرم وخصوبة المخيلة وروح الدعابة والشجاعة والكبرياء والعزم. غير أن محاولة فهم وجهة نظر الخصم لا تحتل مكانة متقدمة بين هذه الخصال. إنها سمة قليلة الشأن بالنسبة لهم. ولعل مأساة الحرب الأهلية الأسبانية خير دليل على أننا لا نقدر هذه المسألة حق قدرها، وفي ذلك خطر علينا.

مؤلف كتاب "معركة أسبانيا، الحرب الأهلية الأسبانية 1936-1939"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست-21-6-2006