خطة غير رسمية لتخفيض الوجود الأجنبي في العراق

 

موفق الربيعي

 

على الرغم من الكلام الكثير الذي يتردد عن انسحاب قوات الولايات المتحدة وقوات "التحالف" من العراق، فإنه لم يتم حتى الآن وضع جدول زمني محدد لمثل هذا الأمر. بيد أن هناك مع ذلك "خريطة طريق" غير رسمية لتخفيض أعداد القوات الأجنبية، ستقود في النهاية إلى انسحاب القوات الأميركية. وهذه الخطة لا تقوم على سلسلة من التواريخ فقط ولكن -وهذا هو الأهم- على تحقيق إنجازات محددة تؤدي في النهاية لاسترداد الأمن في العراق.

كما هو معروف فإن المحافظات العراقية التي يبلغ عددها الإجمالي 18 محافظة تمر الآن بمراحل مختلفة من الناحية الأمنية. والخطط الموضوعة لهذه المحافظات تقوم على تولي كل محافظة لزمام شؤونها الأمنية في نهاية المطاف إلا إذا ما حال دون ذلك حدوث أزمة كبيرة. ولكن قبل أن يتحقق ذلك، يتعين على كل محافظة أن تستوفي حداً أدنى من المطالب الصارمة كشرط مسبق لمنحها حق السيطرة على شؤونها الأمنية. فعلى سبيل المثال، يجب أن يكون التهديد الذي تمثله الأنشطة الإرهابية في محافظة من المحافظات، منخفضاً أو في اتجاه نزولي، كما يجب على الشرطة العراقية والجيش العراقي أن يكونا قادرين على التعامل مع العصابات الإجرامية، والمجموعات المسلحة، والمليشيات، وعلى ضبط الحدود، وأن يكون هناك أيضاً مركز قيادة وسيطرة واضح يتم الإشراف عليه من قبل المحافظ شخصياً، ويتمتع بإمكانيات الاتصال المباشر بغرفة تقدير المواقف في مقر رئاسة الوزراء.

على الرغم من دوامة العنف التي تبدو بلا نهاية في عراق اليوم، فإن هذه الخطة تم وضعها موضع التنفيذ بالفعل، حيث تم إخطار جميع المحافظين وإطلاعهم على الهدف النهائي منها. وهذه الخطة تمت الموافقة عليها من قبل رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، وقوات التحالف، كما تم إعداد التقييمات الأمنية الخاصة بكل محافظة بالفعل. ولا يوجد هناك من يعتقد أن هذه المهمة ستكون سهلة، وهناك بدلاً من ذلك إصرار من جانب العراقيين ومن جانب التحالف على البدء في اتخاذ الخطوات النهائية، لجعل الحكومة العراقية مسؤولة مسؤولية كاملة أمام شعبها عن الحكم والأمن. ويبلغ عدد المحافظات الجاهزة فعلاً لنقل السلطة في الوقت الراهن أربع محافظات، اثنتان في الشمال (أربيل والسليمانية) واثنتان في الجنوب (ميسان والمثنى)، وهناك تسع محافظات يمكن القول إنها جاهزة بالفعل. ونظراً لأن المحافظين يعملون الآن على استيفاء تلك الشروط الصارمة، فإن العراق يطمح إلى التمكن من السيطرة الكاملة على البلاد بنهاية 2008. ولوضع ذلك موضع التنفيذ، يتعين إجراء تخفيضات كبيرة في القوات الأجنبية. ونحن نتوقع في هذا الشأن أن يصبح عدد القوات الأميركية الموجودة في العراق بنهاية هذا العام أقل من 100 ألف جندي، على أن تعود معظم القوات المتبقية بعد ذلك إلى بلدها بحلول نهاية 2007.

والجلاء النهائي لقوات التحالف من الشوارع العراقية سيساعد العراقيين الذين ينظرون الآن إلى القوات الأجنبية على أنها قوات احتلال بدلاً من النظر إليها كقوات تحرير، كما كانت تريد. فجلاء تلك القوات عن الشوارع سيزيل الحاجز النفسي,كما سيسمح أيضاً للحكومة العراقية بالتعامل مع بعض الدول المجاورة التي كانت تعتبر على أقل تقدير متعاطفة مع تلك المقاومة بسبب وجود ما كانوا يطلقون عليه "القوات المتحالفة المحتلة". وإذا ما استمر الموضوع الطائفي سبباً للصراع مع جيران العراق، فإن هذا الموضوع يجب أن يعالج بشكل عاجل وعلى نحو مفتوح، وليس تحت زعم النفور من وجود القوات الأجنبية.

علاوة على ذلك، فإن إجلاء القوات الأجنبية سيضفي مزيداً من الشرعية على الحكومة العراقية في أعين الشعب. لقد استلزم الأمر كما يشعر بعض الناس دهراً حتى تم تشكيل حكومة وحدة وطنية. لم يكن هذا بالطبع بالمهمة الهينة، ولكن تحقيقها مثل إنجازاً كبيراً خصوصاً إذا ما أخذنا في اعتبارنا أن الكثير من الوزراء يعملون في أوضاع حزبية، حيث يضطرون بسبب مناصبهم للتعامل مع زملاء لهم تاريخ من العداوة وعدم الثقة معهم.

وحكومة الوحدة الوطنية بحكم طبيعتها التي تقوم على إجماع الآراء قد ينظر إليها من قبل الغير على أنها حكومة ضعيفة، ولكن يتعين علينا القول مرة ثانية إن تخفيض أعداد القوات الأجنبية سيؤدي إلى تعزيز وضع حكومتنا الوليدة، وتعزيز قدرتها على الاستمرار حتى نهاية فترة ولايتها التي تمتد لأربع سنوات.

وفي حين يحاول العراق الحصول على استقلاله عن الولايات المتحدة والتحالف من خلال تولي قدر أكبر من المسؤولية عن أفعاله، وخصوصاً من الناحية الأمنية، لا تزال هناك بعض الشخصيات الأجنبية النافذة التي تبالغ في العناية بحكومتنا، وتحاول لعب دور يقوم على الوصاية والتدخل في العديد من القرارات الرئيسية. وعلى الرغم من أن ذلك قد يوفر بعض الفوائد في المدى القصير إلا أنه في المدى الطويل سيؤدي إلى إضعاف الحكومة العراقية ويقود في نهاية المطاف إلى ما يعرف بثقافة التواكل والاعتماد على الغير.

ولكي يتسنى للعراق الخروج من ظل الولايات المتحدة والتحالف، فإنه يتعين علينا أن نتحمل مسؤولية قراراتنا، وأن نتعلم من الأخطاء، وأن نجد حلولاً عراقية خالصة للمشاكل العراقية، واضعين في اعتبارنا خلال ذلك كله أن أصدقاءنا وحلفاءنا يقفون إلى جانبنا، ولا يترددون في تقديم يد العون والمساعدة عندما نكون بحاجة إليها.

مستشار الأمن القومي العراقي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -21-6-2006