تصعيد لا تحتاجه الكويت!

 

د. علي الطراح

 

هناك لحظات تاريخية في تاريخ المجتمعات, تتفاعل فيها الأحداث وهذا هو حالنا في الكويت, فما بادر به وزير الإعلام محمد السنعوسي حين أقدم على ملاحقة القائمين على المحطات الفضائية غير الحكومية، يعد خرقاً للحريات العامة التي كفلها الدستور وتحدياً للإرادة الشعبية, في الوقت الذي تشهد فيه الكويت عرساً ديمقراطياً.

ومحمد السنعوسي ليس ذلك الإنسان الذي لا يفقه طبيعة العمل الإعلامي، فهو الناقد للسياسات العامة عندما كان يقدم برنامجه في محطة "الرأي" التلفزيونية، وقد عرف عنه نقده اللاذع لكثير من القضايا المجتمعية، حيث نجح في استقطاب المشاهدين واعتبر البعض أن تعيينه وزيراً للإعلام جاء متأخراً وكان الأحرى أن يتولى حقيبة الإعلام منذ سنوات. التحول الخطير في تعامل الوزير السنعوسي مع موضوع الحريات العامة جاء في وقت تعيش فيه الكويت أجواء الاستعداد للانتخابات القادمة، وكان المفترض من تلفزيون الدولة أن يساهم في التوعية العامة للمشاركة في الانتخابات، خصوصاً أن المرأة تشارك فيها لأول مرة، وبالرغم من تقصير الأجهزة الإعلامية الحكومية في تغطيتها للعرس الديمقراطي، فقد كانت المفاجأة في ملاحقة القائمين على القنوات الفضائية الجديدة التي تحاول أن تبعث برسائلها التوعوية إلى جمهور الناخبين. التدخل الحكومي في حجب المعلومة جاء في وقت الانفتاح والتعددية الإعلامية وفي وقت لا تملك فيه الدولة القدرة على وقف بث القنوات الفضائية غير الحكومية، حيث لم يعد بإمكان الدول في عالم ثورة الاتصال أن تقنن المعلومات التي تصل للناس، ولم يعد الناس بحاجة للأجهزة الرسمية في الحصول على ما يريدون من معلومات.

الخطوة الحكومية أزعجت الشارع الكويتي ومنحت المعارضة فرصة جديدة ضد الحكومة بل أضعفت المرشحين الموالين لها (أي الحكومة)، وضاعفت الجهود المناهضة للسياسة الحكومية ودفعت بمزيد من الانقسام في الشارع الكويتي. والسؤال الذي يطرحه الكثيرون: لماذا هذا التمادي في سياسة التحدي الحكومي؟ وهل الحكومة الكويتية تتطلع لمزيد من المواجهة؟ يبدو أحياناً للمراقب أن الأوضاع المحلية لم تعد تدار بالحكمة التي تعارف عليها الناس، كما يبدو أن التصعيد الحكومي لا يعكس سياسة حكومية موحدة بقدر ما يعكس اجتهادات لأطراف في السلطة ترى أن المواجهة لابد منها، وأنه لم يعد بمقدور هؤلاء تحمل حدة النقد للسياسات الحكومية، وربما ارتفاع حدة المواجهة فيما يتعلق بقضايا الفساد والرشوة، وهو ما جعل هذه الأطراف تفقد توازنها في إدارة الصراع الدائر داخل الساحة الكويتية.

كان الأحرى بالحكومة أن تعمل على تخفيف حدة المواجهة لكسب الشارع وما كان عليها اختيار طريق التصعيد الذي سيخلق، وفي كل الأحوال، أجواء سياسية مشحونة ومتوترة لا تخدم المصلحة الوطنية الكويتية.

المعارضة وإن كانت غير متجانسة ولا ترتبط برؤية مشتركة، فإنها مازالت قادرة على تحريك الشارع وقادرة على قيادة الصراع بطريقتها، ما يؤكد ولادة توجهات جديدة على الساحة الكويتية ستشكل انعطافاً في تاريخ الكويت. البعض يرى أن الحكومة هي الخاسر الأكبر وهي التي ستدفع ثمناً باهظاً لسياسة التحدي أو ما نسميه "سياسة كسر العظم" التي نعتبرها انتكاسة كبيرة في تاريخ الديمقراطية الكويتية.

لو استطاعت المعارضة بأطيافها المختلفة إيصال مرشحيها إلى البرلمان فمن المؤكد أنها ستجعل الحكومة في موقف لا تحسد عليه، حيث لن يكون بوسعها حل البرلمان مرة أخرى لذات الأسباب السابقة، مما يعني أنه ليس أمام الحكومة سوى خيار الاستقالة، وذلك من شأنه أن يريك الوضع السياسي في البلاد ويضيع فرصة الالتفات إلى قضايا جوهرية تمس التنمية والاحتياجات العامة للناس.

لا تملك الحكومة سوى تقديم اعترافات شجاعة وأن تبادر إلى وضع حد لحالة الاحتقان في الشارع الكويتي من خلال برنامج إصلاحي واقعي يعيد للكويت الاستقرار الذي افتقدته لعقود طويلة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-21-6-2006