الأوروبيون حائرون بين ثقافة أميركا وسياساتها الخارجية

 

أليسا روبين

 

في الأحياء العمالية، كما في مساكن الطلبة اتفق النمساويون على اختلاف مشاربهم السياسية من "اليسار" إلى "اليمين" على إعداد الشعارات المناهضة للرئيس الأميركي جورج بوش لرفعها خلال الزيارة التي سيقوم بها إلى النمسا في بحر الأسبوع الجاري. ومع ذلك يتوقع المراقبون أنه ما أن تنتهي المظاهرات الاحتجاجية حتى يهرع نفس النمساويين إلى منازلهم لمشاهدة آخر المسلسلات الأميركية مثل "زوجات يائسات"، أو غيره من البرامج التلفزيونية الأخرى التي تحظى بشعبية كبيرة في أوساط النمساويين. ولا يعتبر ذلك مثاراً للدهشة أو الاستغراب، ففي النمسا كما في باقي الدول الأوروبية يتعايش الحماس المتدفق نحو الثقافة الأميركية جنباً إلى جنب مع الكراهية المعلنة لسياساتها الخارجية ما يسلط الضوء على تلك العلاقة المعقدة والملتبسة التي تميز الصلات بين الأوروبيين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. فقد كشف استطلاع للرأي أجراه الأسبوع الماضي "مركز بيو للأبحاث" أن مواقف الأوروبيين، باستثناء البريطانيين، تجاه الولايات المتحدة مازال في تقهقر مستمر تطبعه نظرة سلبية كما هو الشأن لدى أغلب دول العالم. ويُظهر استطلاع الرأي أيضاً أن تلك النظرة ما فتئت تزداد حدتها لدى الفرنسيين والألمان والأسبان، حيث لا تتعدى نسبة من يحملون نظرة إيجابية عن الولايات المتحدة بينهم 40%.

ويؤكد "أندرو كوهوت"، مدير مركز بيو للأبحاث أنه "بالرغم من وجود مجموعة من القواسم المشتركة بين الأوروبيين والولايات المتحدة فيما يتعلق ببعض القضايا الجيواستراتيجية مثل الملف النووي الإيراني، فمازالت شعبية أميركا تعاني من تدنٍ كبير لدى الرأي العام الأوروبي". وفي الوقت الذي بدأت تواجه فيه الدول الأوروبية مشاكلها الخاصة المتمثلة في الإرهاب وتقلص الموارد الكافية للإنفاق على البرامج الاجتماعية، تنامت الأصوات المشككة في مدى فعالية النموذج الأميركي في حل تلك المشاكل. وليس غريباً أن ينشغل الأوروبيون في هذه الأيام بسؤال جوهري حول النموذج الاقتصادي الأميركي وما إذا كان الطريق الأمثل للخروج من الصعوبات الاقتصادية. وفي هذا السياق يوضح "توني جوت"، أستاذ الدراسات الأوروبية بجامعة نيويورك قائلاً: "لقد كان الاعتقاد السائد في السابق أن كل ما يأتي من الغرب هو جيد سواء كانت كاليفورنيا بالنسبة لأميركا، أم أميركا بالنسبة لأوروبا، غير أن ذلك تغير اليوم بعد بروز نموذجين من الديمقراطيات الليبرالية: النموذج الاجتماعي الأوروبي والنموذج الأميركي".

وفي الإطار نفسه أجرى "كريستوف هوفينجر" الذي يدير "معهد سورا" لاستطلاعات الرأي استبياناً كشف نفور عدد متصاعد من النمساويين من أسلوب الحياة الأميركي، وحسب الاستبيان ارتفع عدد الذين ينظرون باستياء إلى نمط الحياة الأميركي من 48% سنة 2000 إلى 61% سنة 2005. وأكد "هوفينجر" أنه "بالرغم من تأثير السياسات الأميركية غير الشعبية على آراء النمساويين، فإن هناك أموراً أخرى تساهم في تشكيل النظرة السلبية لأغلب الأوروبيين. فبينما يتعين على الأميركيين إفناء زهرة حياتهم في العمل لتمويل الرعاية الصحية والاجتماعية، لا يرغب الأوروبيون في انتهاج نفس المسار". بيد أن نظرة الأوروبيين السلبية إزاء الولايات المتحدة لا تمنعهم من إبداء إعجابهم بثقافتها الشعبية لما تنطوي عليه من شفافية في العلاقات الإنسانية وتفاؤل إزاء الحياة و الثقافة الأميركية تعكس إحساساً بكل ما هو شعبي ومتداول خلافاً لتقاليد الثقافة الأوروبية النخبوية.

وحول موضوع التأثير الكاسح للثقافة الشعبية الأميركية يقول "رينهارد سكوليك"، وهو مدير إحدى القنوات التلفزيونية بالنمسا: أنه خلافاً للثقافة الأوروبية التي تميل بعض الشيء إلى التشاؤم "تركز الثقافة الأميركية من خلال المسلسلات والبرامج التلفزيونية على التفاؤل كمحفز على مواصلة الحياة رغم المشاكل والصعوبات، وهو ما يتوق إليه المواطن النمساوي". وقد كانت صورة الولايات المتحدة تشكل، لعدة عقود خلت، انطلاقاً من الدور الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية، وخطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا، ثم لاحقاً دورها في الحرب البادرة. بيد أن تلك الصورة الزاهية تبلدت كلياً عقب أحداث 11 سبتمبر، حيث انقلب التعاطف الفوري الذي تلا الهجمات إلى معارضة شديدة للسياسات الأميركية عندما تطورت الحرب من مجرد القضاء على المتورطين في الهجمات إلى حرب شاملة ضد الإرهاب انتهت بغزو العراق. وهو الغزو الذي زاد من تعميق الفجوة بين الأوروبيين والسياسات الخارجية لإدارة الرئيس بوش.

عضو هيئة تحرير في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -21-6-2006