الولايات المتحدة... ثغرات أمنية في مواجهة الإرهاب والكوارث

 

مارك كلايتون

 

بعد مرور أقل من خمس سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مازالت الولايات المتحدة أضعف من أن تواجه الكوارث الطبيعية والهجمات الإرهابية الكبرى. كانت تلك هي الخلاصة التي انتهى إليها الخبراء الأمنيون وضمنوها في تقرير فيدرالي جديد يبحث مدى الاستعداد الأمني لمختلف الأجهزة الحكومية في التصدي للكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ الأخرى. وقد أشار التقرير إلى تباطؤ أغلب الولايات والسلطات المحلية في إعداد خطط الطوارئ، بينما تجاهد الحكومة الفيدرالية لسد الثغرات الأمنية في رحلات الطيران والموانئ، فضلاً عن المحطات الكيمياوية المختلفة. وحسب الخبراء الأمنيين تتعدد أسباب التباطؤ وتتنوع لكنها في النهاية تعزى إلى سبب رئيسي يتمثل في الجهود المحدودة وغير الكافية التي يبذلها قطاع الصناعة الأمنية في الولايات المتحدة، لاسيما وأن 85% من البنية التحتية الحساسة يُعهد بأمنها إلى القطاع الخاص. لكن بدلاً من مراقبة مهامه ومتابعتها مازالت إدارة الرئيس بوش تقاوم فرض الحد الأدنى من المعايير الأمنية على القطاع الخاص.

وفي هذا السياق يقول "لي هاميلتون"، رئيس "مركز وودرو ويسلون الدولي"، ونائب رئيس اللجنة المكلفة بالتحقيق في أحداث 11 سبتمبر: "لقد حددنا الأولوية خلال هذه المرحلة بالتركيز على المعايير المعتمدة لدى الشركات الأمنية الخاصة، لكن المشكلة أن الأمور تسير ببطء في هذا الاتجاه"، مضيفاً "ربما حان الوقت لكي تقوم الحكومة بفرض معايير أمنية خاصة". نفس الملاحظات تقريباً أبداها "ستيفن فلين"، وهو زميل بارز في "مجلس العلاقات الخارجية" ومختص في دراسات الأمن القومي الذي صرح بأن "الجهود الحالية غير كافية للتصدي لهجوم إرهابي شامل يستهدف المواقع والمنشآت الحساسة والهشة". ولعل الخطر الأكبر الذي يخيف الخبراء الأمنيين هو حماية المنشآت الكيماوية في الولايات المتحدة، خاصة وأنها مازالت تعاني من بعض القصور لتأمين سلامتها وعدم تعرضها للاستهداف. ويحذر التقرير من أنه في حال تعرض إحدى المحطات الكيمياوية للهجوم، فإن الأذى سيطال أكثر من مليون مواطن بسبب تسرب المواد السامة. وبينما يشهد التقرير الفيدرالي حول الوضع الأمني للمنشآت الأميركية الحساسة بالتقدم الملحوظ في مجال حماية المواقع الكيمياوية، أكد من جهة أخرى أن سدس المحطات فقط البالغ عددها 15 ألفاً في ربوع الولايات المتحدة هي من تخضع لأية معايير فيدرالية للأمن والحماية.

ويفاقم من حدة المشكلة عجز وزارة الأمن الداخلي من فرض الحد الأدنى من المعايير الأمنية بسبب غياب الصلاحيات اللازمة التي تخولها الضغط على الشركات الخاصة. وعن أهمية المعايير الفيدرالية في حماية المنشآت الحساسة المهددة بهجوم إرهابي يعتبر "هاملتون" أن فرض تلك المعايير "يخلق فرصاً متكافئة للجميع"، ذلك أن شركات الأمن التي لا تتقيد بمعايير صارمة تجد نفسها في موقع الأفضلية بالمقارنة مع هؤلاء الذين يلتزمون بالمعايير الأمنية. غير أن الخبير "فلين" من "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي يلفت الانتباه إلى خطورة اتخاذ خطوات انفرادية من قبل السلطات الحكومية من قبيل السعي إلى فرض معايير أمنية على الشركات الأمنية معتبرا أنه "لكي تنجح السلطات في تعزيز أمن المنشآت التي تشرف عليها الشركات الخاصة لابد من مساهمة الحكومة في تعزيز الأمن، ولن تقبل الشركات بالاستثمار تحت شروط صارمة دون مساعدة السلطات الفيدرالية".

ويبدو أن المخاوف الأمنية آتت أكلها في بعض القطاعات، خاصة لدى شركات السكك الحديدية. فقد عملت هذه الشركات على وضع خطط الطوارئ الخاصة بها لمواجهة الهجمات غير المتوقعة، بل وقامت بتدريبات عسكرية مركزة على بنيتها التحتية الأساسية. وهنا يدخل دور الحكومة في توفير أفراد الحرس والإسهام في إنجاح التدريبات. وما لم تضطلع الدولة بدورها الفاعل، فإن الشركات ستحجم عن الاستثمار في التدابير الأمنية ما سيؤثر سلباً على أمن وسلامة السكك الحديدية. وفي تقرير آخر صدر يوم الجمعة الماضي حول جاهزية السلطات المحلية والفيدرالية في مواجهة الكوارث الطبيعية لفت الانتباه إلى بعض جوانب القصور فيما يتعلق بالتصدي الفعال للكوارث. وقد شملت الدراسة التي أشار إليها التقرير 65 ولاية ومنطقة في أميركا، فضلاً عن 75 منطقة حضرية امتدت على مدى ستة أشهر من المراقبة لبحث السيناريوهات المختلفة في حالات الإعصار وإنفلونزا الطيور والهجمات الإرهابية.

وبينما أفاد التقرير استعداد الولايات المتحدة الجيد في التصدي للكوارث الطبيعية المحلية والمحدودة، أشار في المقابل إلى عدم كفاية التدابير المتخذة حالياً لمواجهة الكوارث، أو الهجمات الإرهابية التي تطال عدة ولايات في نفس الوقت. وفي هذا السياق كشف التقرير أنه 13% من الولايات و7% من المناطق الحضرية فقط تتوفر على خطة طوارئ لإخلاء المناطق المنكوبة. وتكمن المشكلة حسب الخبراء الأمنيين في انعدام التدريب الملائم والممارسة الكافية. فرغم تخصيص مبالغ مهمة للنهوض بخطط الطوارئ وتحسين فاعليتها في مواجهة الكوارث والهجمات، لم يتعدَّ ما رصد لجهود التدريب نسبة الخمسة من إجمالي 18 مليار دولار أنفقت على تعزيز الاستعدادات لمواجهة الطوارئ؛ في حين يصرف الجزء الأكبر من الأموال على معدات الاتصال والرصد. وغالباً ما يؤدي نقص التدريب إلى ارتكاب أخطاء عديدة في أوقات الأزمات كما حصل أثناء إعصار "كاترينا"، حيث فشلت وكالة الطوارئ الفيدرالية في الاستفادة من أحد القطارات لإخلاء المواطنين بحيث ظل واقفاً في مكانه دون أن يكترث لوجوده أفراد الوكالة.

التقرير يسلط الضوء أيضاً على القصور في مجال الاستعداد لمواجهة حالات اندلاع وباء إنفلونزا الطيور، لاسيما وأن التقديرات تشير إلى احتمال تعطل ثلث الطرق في أميركا إذا ما تفشى المرض. وهنا مرة أخرى يبرز دور الحكومة الأساسي في اتخاذ القرار وتحديد الأوليات عند استعمال الطرق كأن تعطى الأولوية لنقل وقود الطاقة، أو الأدوية لمعالجة المواطنين. ويرى الخبراء الأمنيون أن التركيز على المعايير الأمنية لن يحل لوحده المشاكل التي تواجه الشركات الخاصة والسلطات الحكومية في توفير الأمن والسلامة للمنشآت الفيدرالية المختلفة، حيث يبقى على الحكومة الكثير لتقوم به في مجال تشديد المراقبة في المطارات واستخدام التكنولوجيا المتطورة لرصد المشتبه بهم واستباق الهجمات الإرهابية قبل حدوثها.

عضو هيئة تحرير بصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-21-6-2006