مقالات و محاضرات

 

 

إصلاحات الأمم المتحدة... أسلوب لليِّ الذراع!

 

هوارد لافرانتشي

 

تمر الأمم المتحدة في الوقت الراهن بحالة من النشاط: فالولايات المتحدة تعتمد عليها في استلام مسؤولية عملية حفظ السلام في إقليم دارفور السوداني بحلول الخريف القادم، والدول الأفريقية تتطلع إليها مطالبةً بمضاعفة جهودها الرامية لمحاربة مرض الإيدز، كما قامت الأمم المتحدة بإجراء مراجعة لسياساتها في الآونة الأخيرة، وسينعقد مجلس حقوق الإنسان ومفوضية بناء السلام التابعان لها (وكلاهما من ثمار الإصلاح الذي تلا فضيحة النفط مقابل الغذاء)، وذلك للمرة الأولى خلال الأسبوع الحالي. ومن الغريب أن يتم، في فترة حافلة بالنشاط، التفكير في إجراء خفض على التمويل، إذ لو تم فعلاً لأدى إلى إغلاق الأمم المتحدة فعلياً. لكن هذا ما يمكن أن يحدث بحلول نهاية يونيو الجاري، كنتيجة للعبة شد الحبل حول إصلاحات الأمم المتحدة بين الدول النامية وكبار ممولي المنظمة الدولية، وأولهم الولايات المتحدة.

وبسبب ضيقها من الوتيرة التي تتم بها عملية الإصلاح في الأمم المتحدة في مجالات كالإدارة والمحاسبية والشفافية، نجحت الولايات المتحدة وغيرها من كبار الممولين، مثل بريطانيا واليابان، العام الماضي، في ممارسة القليل من أساليب ليِّ الذراع على المنظمة الدولية. فقد تمت الموافقة على ميزانية الأمم المتحدة لعام 2006 ولكن بشرط وضع حد أعلى للإنفاق لا يتم تجاوزه على تلك الميزانية، ويسري بعد 6 أشهر إذا لم يتم إجراء إصلاحات حقيقية خلال هذه المدة.

على الجانب الآخر تقف العديد من دول العالم النامي بقيادة مجموعة الـ77 التي تنظر إلى طلبات الدول الغنية بنظرة شك. فهذه الدول تنظر إلى تلك الإصلاحات على أنها محاولة من جانب الدول الغنية لانتزاع السلطة من دول العالم الأخرى الأقل تطوراً في الجمعية العمومية التي لا تزال الأغلبية فيها تحاول جاهدة القبض على ما تبقى لها من سلطات.

السؤال المهم الآن هو عما إذا كانت الولايات المتحدة ترى أن هناك تحسناً كافياً قد حدث في الطريقة التي تعمل بها الأمم المتحدة، ومنها على سبيل المثال إمكانية الاطلاع على الوثائق الداخلية (وهي شكوى يتم بحثها في التحقيق الذي يدور حالياً بشأن فضيحة النفط مقابل الغذاء)، والكيفية التي يمكنها بها متابعة شؤونها المالية، بحيث يمكنها أن تقوم برفع القيد المفروض على ميزانية الأمم المتحدة على النحو الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة.

ويقول بعض المحللين إن الولايات المتحدة ستواصل التهديد بإجراء خفض على التمويل الخاص بالأمم المتحدة حتى الساعة الأخيرة، على أمل انتزاع أكبر قدر ممكن من الإصلاحات، في حين يقول محللون آخرون إن هذا الأسلوب يمكن أن يخفق.

حول هذا الأمر يقول أحد مسؤولي الأمم المتحدة، وقد اشترط عدم ذكر اسمه لأن المناقشات التي تدور بصدد الإصلاحات تمر بفترة حرجة: "إن فرض كل تلك الإنذارات والمدد النهائية ليس بالأسلوب الذي يمكن أن يدعم مسألة الإصلاحات في الأمم المتحدة، لأنها لن تؤدي سوى إلى جعل الجميع أقل انفتاحاً وتقبلاً للتوصل إلى التسويات... ليس من المسوغ أن يأتي أي أحد ليقول إذا لم يتم تنفيذ كل ما أطالب به فسنوقف جهودكم".

وموضوع الإنفاق في حد ذاته موضوع خلافي إلى حد كبير. ولكنّ ما أجج نيرانه مؤخراً هو ذلك التراشق اللفظي الذي حدث بين جون بولتون السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، وبين مالوتش براون المساعد الثاني للسكرتير العام للأمم المتحدة كوفي عنان. ففي كلمة ألقاها في نيويورك مؤخراً اشتكى براون من أن الولايات المتحدة تطلب من المنظمة الدولية أن تفعل المزيد على الدوام، ولكنها لا تقوم سوى بالقليل للدفاع عنها علناً ضد الهجمات التي يشنها ضدها الكارهون مثل الشخصية الإذاعية "راش ليمباو" ومحطة "فوكس نيوز".

كان رد بولتون على تلك الملاحظات هو وصفها بأنها "أكبر غلطة" سمعناها من أحد بيروقراطيي الأمم المتحدة منذ وقت طويل، وأنها تمثل هجوماً على أميركا. وحث بولتون كوفي عنان على التنصل مما جاء في هذه الكلمة محذراً من عواقب وخيمة تتمثل -فيما يفترض- في امتناع الكونجرس الأميركي عن مزيد من الإنفاق على الأمم المتحدة، إذا لم تقم بذلك. ولكن عنان امتنع عن ذلك وأدلى بتصريح من خلال أحد المتحدثين قال فيه: "إن تلك الكلمة لم تكن تمثل نقداً للولايات المتحدة بقدر ما كانت مطالبة لها بمزيد من المشاركة في شؤون المنظمة".

وبعد أن عبر عن مخاوفه الأسبوع الماضي من أن الأمم المتحدة ربما تكون قد وصلت إلى حافة التوقف عن العمل، فإن عنان يعبر الآن عن قدر معتدل من الثقة، بأن فرض حد أعلى على الميزانية سيكون أمراً من الممكن تجنبه. في هذا الصدد قال مسؤول من الأمم المتحدة: "إنه يرى تحسناً في مناخ الإصلاح في المنظمة، وإن الجميع أصبحوا يشعرون اليوم بأنها وصلت إلى حافة الخطر ورأوا أنه من الأفضل جداً للجميع أن تستمر هذه المنظمة وأن تعمل بشكل أفضل".

وقد لوحظ أن نبرة خطاب بولتون أصبحت أقل حدة وقطعية بنهاية الأسبوع. فبعد اجتماع مع مجموعة الـ77 قال إن الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي، كانوا يبحثون عن تحقيق "تقدم جوهري" في مجالات الإصلاح الإداري الثلاثة؛ وهي الشفافية والمحاسبية والقدرة الإشرافية. وتعكس نبرة بولتون المخففة والمعبرة عن استعداد للمزيد من التعاون، النفور السائد لدى إدارة بوش تجاه إثارة سجال عالمي في الوقت الراهن حيث تقوم واشنطن بتحسين العلاقات مع الآخرين، وتتعاون بدرجة ما مع منظمات مثل الأمم المتحدة- كما يقول بعض المراقبين.

مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في واشنطن

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور" -20-6-2006