مقالات و محاضرات

 

 

"النووي" الإيراني... وتوظيف القضية العراقية

 

باسكال بونيفاس

 

كانت تلك خطوة إيجابية أن تقترح الولايات المتحدة على الإيرانيين إجراء مفاوضات مباشرة معها لأول مرة منذ قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 وما تلاها من أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران التي وترت العلاقات أكثر بين البلدين ودفعت بها إلى الجمود والعداء. بيد أن الولايات المتحدة التي أبدت مؤخراً ليونة مقارنة مع مواقفها السابقة إزاء الملف النووي الإيراني وضعت شرطاً أساسياً لإنجاح تحولها الدبلوماسي متمثلاً في تعليق طهران لبرنامج تخصيب اليورانيوم الذي يثير مخاوف الدول الغربية وتعتبره مجرد غطاء لاكتساب السلاح النووي. والواقع أن الانفتاح الأميركي هو محط ترحيب من قبل القوى الأخرى الفاعلة في الملف النووي الإيراني، لاسيما الاتحاد الأوروبي وباقي دول الشرق الأوسط التي تعقد آمالاً عريضة على انتهاء التوتر وتسوية الملف الإيراني بطرق سلمية تُبعد عن المنطقة شبح حرب أخرى تهدد استقرار الدول المجاورة.

لكن قبل الوصول إلى هذا الانفراج النسبي في التوتر إثر اقتراح الحوار المباشر وموافقة الولايات المتحدة عليه كان الملف النووي الإيراني قد دخل مرحلة دقيقة تنذر بأوخم العواقب. ففي ظل تصلب موقف إيران وإصرارها على تخصيب اليورانيوم واستكمال دورة الوقود النووي بدأت تتسرب احتمالات غاية في الخطورة تتراوح بين السماح لإيران بامتلاك القنبلة الذرية والاعتراف بها قوة نووية كإسرائيل وغيرها، وبين شن حرب أخرى لمنعها بقوة السلاح من ذلك، وهو ما وضع المجتمع الدولي أمام خيارين أحلاهما مر: التسليم بالأمر الواقع أو الحرب. ومع ذلك سرعان ما بدأت الدول الأوروبية، وأميركا نفسها، تستحضر سيناريو الحرب في العراق والعقبة الكأداء التي يواجهها المشروع الأميركي في بلاد الرافدين بعدما شنت أصلاً بذريعة منع الانتشار النووي. وإذا ما أخذنا في عين الاعتبار اختلاف الحالة العراقية عن إيران لصالح هذه الأخيرة التي تعتبر أكثر قوة واحتمالات صمودها في وجه حرب أميركية أكثر حدة من العراق بدأت واشنطن تبحث عن بدائل تجنبها مستنقعاً آخر شبيهاً بذلك الذي مازلت تتخبط للخروج منه في العراق.

والأكثر من ذلك، أن الولايات المتحدة أدركت محدودية قوتها العسكرية، لاسيما وأنها منتشرة في رقعة واسعة بين العراق وأفغانستان قد لا تمكنها من إخضاع إيران ونزع شوكتها النووية. ولا ننسى أيضاً أن حرباً أخرى في الشرق الأوسط ستعمِّق أكثر الهوة المتنامية بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة، وتعزز خطر الإرهاب نتيجة لذلك واضعة عموم الشرق الأوسط فوق برميل بارود قد ينفجر في أية لحظة. وإذا كانت تلك اعتبارات موضوعية تمنع التفكير في تحرك عسكري جديد يؤجج المنطقة ويزج بها في أتون التوتر والصراع، فإن هناك اعتبارات أخرى مرتبطة بإيران نفسها. فبالنسبة لطهران، فإنها تنظر إلى برنامجها النووي كـ"حق يتصل بالعزة الوطنية"، ومن غير الوارد التخلي عنه بسهولة، لاسيما وهي تتحجج بمعاهدة عدم الانتشار النووي، التي تكفل للدول الموقعة عليها الحصول على التكنولوجيا النووية لاستخدامات سلمية. غير أن تاريخ البرنامج النووي الذي يعود إلى عصر الشاه، يلقي بظلال كثيفة من الشك والريبة على النوايا الحقيقية لإيران، ويثير مخاوف الغرب من أن يحول الوقود المخصص لتوليد الطاقة الكهربائية إلى تصنيع القنبلة النووية. وتستند الدول الغربية في مخاوفها إلى تجربة الكتمان والسرية التي أحاطت بالأنشطة النووية الإيرانية طيلة الثماني عشرة سنة السابقة وانتهاك تعهداتها السابقة للترويكا الأوروبية بتعليق تلك الأنشطة. وجاءت تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الاستفزازية حول محو إسرائيل من الخريطة، والتشكيك في المحرقة اليهودية، لتعزز المخاوف الغربية وتثير القلق هناك من النوايا الحقيقية لطهران.

ولئن بدا الموقف الأميركي منذ البداية صارماً، حيث رفعت واشنطن عقيرتها ضد طهران مهددة باللجوء إلى عمل عسكري محتمل لمنعها من امتلاك السلاح النووي، فلقد سلكت الدول الأوروبية، من جهتها، طريق المفاوضات والوساطة الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية سلمية للأزمة. لكن إزاء رفض إيران التخلي عن تخصيب اليورانيوم والاستجابة للمطالب الدولية فشلت المفاوضات وتهاوت على عروشها. ويبدو أن إيران في كامل الإدراك لقوتها الإقليمية الجديدة بعدما استفادت من الحرب الأميركية على العراق بإزاحة عدوها التقليدي المتمثل في دولة عراقية مركزية وقوية، فضلاً عن استفادتها من الورطة الأميركية في العراق واستنزاف قوتها فوق رماله المتحركة. والأهم من ذلك عرفت إيران إلى حد الآن كيف تستغل ورقة الاختلافات الدولية حيال ملفها النووي والعداء الإسلامي لأميركا قصد تلميع صورتها وتعزيز موقفها لدى المسلمين. ولأن الحرب على العراق أظهرت هشاشة الدول أمام الآلة العسكرية الأميركية وعلو كعب هذه الأخيرة في قدراتها التدميرية، اقتنعت إيران بأن السلاح النووي هو الرادع الوحيد الذي يخيف أميركا ويجعلها تفكر مرتين قبل الدخول في مغامرة عسكرية ضد دولة نووية. ففي الوقت الذي أعلنت فيه كوريا الشمالية امتلاكها للسلاح النووي ورفضت إخضاع منشآتها للتفتيش الدولي ردت أميركا بمد يد الدبلوماسية إليها؛ بينما العراق الذي نفى حيازته للسلاح النووي ووافق على التفتيش الدولي لم يحل ذلك دون لجوء واشنطن إلى الحل العسكري معه الذي تبين في النهاية أنه لم يكن حلاً، بل بداية لمشكلة قد تمتد إلى المستقبل البعيد.

والمفارقة أن الولايات المتحدة في حاجة ماسة إلى إيران لفرض الاستقرار في العراق وحفظ ماء وجهها بعدما تعقّد الوضع في بلاد الرافدين وظهر ارتباك واشنطن الواضح في تعاملها مع العنف العراقي. وإدراكاً لهذا الواقع المعقد والمتشابك بين المصالح الأميركية في العراق وارتباطها بإيران، سعت الدول الأوروبية إلى إقناع واشنطن بضرورة الدخول في مفاوضات مباشرة مع طهران ومنح ضمانات أمنية للنظام. وما كانت واشنطن لتقتنع بوجهة النظر الأوروبية وتوافق على إجراء المفاوضات المباشرة مع طهران لولا إقرارها بحصافة الرأي الأوروبي واستحالة حسم الأزمة عسكرياً، وهو ما ترجم على أرض الواقع من خلال التصريحات المهادنة التي أطلقتها إيران رداً على المقترح الأوروبي وتعقيب واشنطن الإيجابي عليه.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-20-6-2006