مقالات و محاضرات

 

 

ما بعد الزرقاوي

 

صلاح النصراوي

 

الأن يمكن القول إن هناك صورة ربما تكون شبه مكتملة للجهود التي قادت في النهاية إلى مقتل أبو مصعب الزرقاوي، وهي بالتأكيد عملية تحول كبرى في مجرى الصراع ضد الإرهاب، ليس في العراق فحسب بل في عموم المنطقة وربما في العالم أجمع. احد أهم ملامح هذه الصورة أن الإرهاب تمكن مواجهته فقط حين يكون هناك تعاون وتنسيق جادان بين كل من هو معني بمقاومة هذه الآفة التي استشرت إلى حد أصبحت تهدد ليس أمن واستقرار المنطقة ومنجزاتها فقط، بل وجود ومستقبل المسلمين في كل مكان. وطبعاً فإن توفر الإرادة السياسية القوية لمواجهة الأخطار المشتركة التي يمثلها الإرهاب، مثلما دلت تجربة التعاون الأردني - العراقي - الأميركي وربما الأيراني أيضاً في القضاء على الزرقاوي، يأتي في المقدمة من الشروط التي ينبغي توافرها لجعل التعاون والتنسيق ممكنين.

كان من الواضح منذ بداية عمل الزرقاوي وتنظيمه في العراق بعد الحرب التي أسقطت نظام صدام حسين ربيع 2003 أن نشاطهم هو من النوع العابر للحدود ولم يكن ممكناً أن ينشط أبداً لولا الدعم والتأييد الذي يقدم له من الجانب الآخر من الحدود، أو على الأقل لولا التراخي وعدم الاكتراث تجاه المشروع الذي كان جلياً منذ البداية أن العراق هو مجرد قاعدة إنطلاق له في المنطقة وسرعان ما سيستشري شراره في بقية أجزائها. والظاهر ان أجراس الإنذار التي كانت تقرع في كل انحاء العراق لم تكن كافية لوحدها لكي تدفع باتجاه التعاون المشترك للقضاء على وحش الإرهاب المستشري، بل كان على الأردنيين أن ينتظروا حتى يضرب الزرقاوي في عقر دارهم لكي يدركوا أن الانتظار ليس بالسياسة الحكيمة وأن الفرجة لن تنجيهم من غارات الوحش الضاري الذي يجوس على حدودهم.

واذا كان الدور الأردني الكبير في اصطياد الزرقاوي أصبح معلوماً بل موضع تفاخر الأجهزة الرسمية الأردنية ذاتها لأسباب داخلية معروفة، فإن الدور الإيراني الخفي في الجهد المبذول في ذلك يكتسب أهمية قصوى على رغم عدم تسليط الأضواء عليه لاعتبارات لا تخفى على المراقبين المتابعين لنشوء الظاهرة الزرقاوية منذ بدايتها وحتى قبل الحرب الأميركية على العراق. فمقتل الزرقاوي جاء على خلفية بعض التطورات المهمة التي تشكل إيران ضلعاً أساسياً فيها، وأبرزها استكمال العملية السياسية بترسيخ دور الشيعة في العراق الجديد، ودخول الأزمة الإيرانية - الأميركية في شأن الملف النووي منعطفاً جديداً، إضافة الى وقوع سلسلة عمليات إرهابية داخل ايران ذاتها اشارت اصابع الاتهام فيها إلى جماعات سنية سلفية، وتأزمات عرقية في إقليمي كردستان واذربيجان عزيت ايضاً لنشاطات عابرة للحدود. حتّمت هذه التطورات إعادة نظر إيرانية، بمعزل عما اذا كان الأمر تكتيكاً أو استراتيجية جديدة تجاه العراق، أدت إلى حرمان الزرقاوي من مجال حيوي لنشاطه وقادت في النهاية إلى مقتله في معقله على بعد كيلومترات قليلة من الحدود الإيرانية.

هناك بالتأكيد عوامل أخرى ساهمت في إضعاف الزرقاوي في فترته الأخيرة وبخاصة بطء التطوع في صفوفه وتقلص عدد الملتحقين به من الخارج، وضعف المنابع المالية ، وزيادة وعي حكومات أخرى في المنطقة بالمخاطر التي سببتها سياسيات التراخي ازاء عمليات التعبئة والتجنيد وإرسال المتطوعين وتنظيم حملات التبرع له. وسواء كان الأمر يتعلق بالمخاوف التي بدأت تنشأ من عودة هؤلاء المتطوعين إلى بلدانهم من العراق، مسلحين بأفكار ومنهجية الذبح والنسف والتفخيخ، أم بقناعات مستجدة تجاه مجرى العملية السياسية في العراق، فإن الفترة الأخيرة شهدت ضغوطاً حكومية إقليمية أدت إلى تراجع واضح في ضخ الأموال والأشخاص إلى ماكينة الإرهاب الزرقاوية. إضافة إلى ذلك، وعلى رغم بعض دموع التماسيح التي ذرفها أدعياء وجهلة وانتهازيون عليه، فقد عجزت ممارسات الزرقاوي الشاذة والبشعة عن استغلال حالة الرفض والغضب على بعض أرصفة الشارع العربي والإسلامي، مما أدى به إلى خسران رهانه مبكراً على تأييد هذا الشارع، وحرمانه، بالتالي، من خلق بيئة مؤاتية لاستمرار مشروعه، بل إنها ساعدت، على الضد من ذلك، في بدء العد العكسي له.

كل هذا يقودنا إلى السؤال البديهي عما إذا كان موت الزرقاوي، الذي ساهمت الأدوار الإقليمية فيه، سيؤدي أيضاً إلى إهالة التراب على مشروعه، الذي أوضحه في احدى رسائله وحدد فيها أهدافه الأربعة لدحر سلسلة من الأعداء، والذي ينتهي بإقامة الخلافة الإسلامية في عموم المنطقة. من الطبيعي أن يكون هناك عدد من الاستنتاجات والتحليلات تتباين بين متفائلة ترى أن ليس الزرقاوي وحده، بل مشروع العنف الإرهابي برمته قد اندحر ودفن تحت أنقاض البيت الريفي في هبهب، وبين حذرة ترى أن المعركة مع الإرهاب للقضاء عليه واجتثاثه من جذوره ستظل مستمرة حتى وقت طويل آخر. أعتقد ان كلا التحليلين بعيدان عن الصواب، فإذا كان من المستحيل القفز إلى منصة الاحتفال وإعلان هزيمة المشاريع الزرقاوية والبنلادنية والظواهرية وتنويعاتها المختلفة، فإن من الخطأ ايضاً الاعتقاد بأن الإرهاب بمختلف مدارسه يحقق تقدماً أو أنه يرسي أسساً في مجتمعات المنطقة.

ربما يكون أقرب تشبيه معاصر لظاهرة الإرهاب هي انفلونزا الطيور التي أصابت مناطق عدة من العالم خلال السنوات الأخيرة وهددت بمخاطر جدية. فحتى الآن لا يزال هذا الفيروس القاتل ينتقل إما بين الطيور ذاتها أو إلى البشر الذين هم على تماس مباشر معها، غير أن الطفرة الوراثية التي يمكن أن تحوله إلى وباء مستوطن لم تحدث بعد. وحالة الإرهاب، ومنها الزرقاوي وتنظيمه في العراق، هي بالتأكيد بؤر متناثرة على الخريطة العالمية، تظهر وتنمو ثم يجرى حصارها والتعامل معها، مثلما يتم بالضبط مع الفيروس الطائر، غير أننا لا نعرف على وجه التحديد ما إذا كانت الطفرة ستحصل ومتى، رغم إيماننا بقدرة العلم على مواجهتها. والأهم من كل ذلك، إننا الآن نعرف، أو على الأقل يمكننا أن نعرف، عن الخلايا الإرهابية أكثر مما نعرف عن الخلايا التي تصيبها انفلونزا الطيور.

نحن نعرف اليوم خارطة الإرهاب وتنظيماته في منطقتنا، ونعرف أيضاً الإمكانات الكامنة التي يمكن أن تحول تنظيمات وأفراداً يقفون الآن على الحافة إلى حاضنة الإرهاب، لكننا نعرف أيضاً أن الملايين الغالبة من شعوب ومجتمعات المنطقة تقف بصلابة ليس على مسافة بعيدة فقط من الإرهاب، بل ضده بشكل قاطع. فإستراتيجة الزرقاوي، ومن قبله بن لادن، كانت تقوم دائماً على فكرة استخدام الإرهاب لتحقيق «الصحوة» عبر حشد «الأمة» ضد أعداء حقيقيين أو مفترضين، ووراء مشروع سوريالي. غير ان ما نراه اليوم هو أن الغالبية العظمى من الشعوب العربية والإسلامية، وعلى رغم الإحباطات والمهانة والألم الذي تشعر به، لم تضلل، ولم تنجرف وراء شعارات المشروع البراقة.

الأهم، بل الأخطر في عملية القضاء على الزرقاوي أنها كشفت ما كان يراد له ان يكون مستوراً حتى الآن، وهو أن أصابع السياسة وأجهزة الاستخبارات ليست بعيدة عن عمل ونشاط تنظيمات الإرهاب سواء كان الأمر يتعلق بالاختراق المباشر أو من خلال عمليات الإدارة والتأثير عن بعد أو عن طريق الأيحاء. لقد أثارت حياة الزرقاوي ومسيرته منذ مطلع شبابه وعبر تجربته الأفغانية وحتى مغامرته العراقية الكثير من التساؤلات والظنون، لكن موته كشف الكثير من الألغاز وهتك العديد من الأسرار. ليس باستطاعة أحد أن يتبنأ الآن ما الذي سيخلفه مقتل الزرقاوي في العراق وفي المنطقة التي كان يحلم أن يحقق فيها مشروعه وينطلق منها لغزو العالم، غير أن الأمل يبقى بأن يكون العراق والمنطقة والعالم في وضع أفضل بعد غيابه.

كاتب عراقي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-19-6-2006