مقالات و محاضرات

 

 

مآتم "الإخوان"... ومناحات الزرقاوي!

 

راشد صالح العريمي

 

جاء في ما رشح من أخبار شجب الجالية الفلسطينية في العراق بشدة لما نسب إلى رموز في حركة "حماس" الفلسطينية الحاكمة من أسف وتباكٍ على مقتل الإرهابي المدعو "أبو مصعب الزرقاوي"، ليصب ماءً بارداً على الجباه أنهى كل أحلام يقظة أولئك الذين ظنوا أن حركات الإسلام السياسي سيدركها العقل يوماً ما، أو ستتعلم عن طريق المحاولة والخطأ أبسط مبادئ العمل السياسي المسؤول، أو حتى ستضع في حسابها في يوم من الأيام مصالح، بل صون دماء المظلومين على طول وعرض الخريطة العربية الإسلامية. فالفلسطينيون اللاجئون في العراق الذين خبروا جحيم مفخخات الزرقاوي، وانتحارييه، والذين رأوا بأعينهم، ممارسات تنظيمه الإرهابي هم الأوْلى بالحكم على ما كانه ذلك المجرم من وحشية. أما "مناضلو الفنادق" والمؤتمرات الشعبوية، وتجار الكلام والثرثرة، هناك في غزة، وفي كل مكان آخر، فانفصالهم عن نبض الشارع الفلسطيني الحقيقي، أوضح من أن يقدم عليه دليل. إلا أن الطامة الكبرى جاءت من امتدادات "حماس"، أو لنكن أكثر صراحة، من شبكة "الإخوان" الأخطبوطية الدولية، عبر فرعها في الأردن، حين ذهب بعض "نوابها"، لـ"تقديم واجب العزاء" في الزرقاوي! متجاهلين أنه هو من تباهى بالصوت والصورة بإرسال إرهابييه لينفجروا في أعراس أهالي عمان البسطاء.

والسؤال الآن هو: الولاء لمن؟ هل ولاء "إخوان" الأردن، وغير الأردن، لأوطانهم، أم للشبكة الأخطبوطية للتنظيم الدولي؟ وهل الأوْلى والأسبق عند "حماس" هو إيجاد مخارج للدوامات العبثية التي يتخبط فيها المشروع الوطني الفلسطيني الآن، وبشكل يهدد بتصفية "القضية" برمتها، أم أن الأوْلى والأسبق عندهم اختلاق "قضايا" وهمية وذرف دموع التماسيح على مجرم قاتل، بكل ما للكلمة من معنى؟ وإلى أين تسير "حماس" وغيرها من جماعات "الإخوان" وصنائعهم؟ أليس في هؤلاء رجل رشيد، يزجرهم ويردهم عن طريق الخطأ، ويردهم عن المراهنة، للمرة الألف، على الجواد الخاسر في كل سباق؟! ولكنْ من أين لهم رجل رشيد يقدر قيمة الولاء للوطن، وقد طلع علينا المرشد العام لـ"الإخوان"، قبل فترة متعدياً بعبارات غير لائقة على وطنه مصر، وها هو يعود الآن أيضاً مهاجماً من مقعده الوثير قرار الرئيس الفلسطيني تنظيم استفتاء قد يكون مخرجاً ممكناً من الأزمة السياسية الفلسطينية الحالية، مزايداً بذلك، ومن برجه العاجي المريح هناك، على المكتوين كل يوم بنار القضية وجحيمها في الأرض المحتلة؟

إن الولاء لا يقبل القسمة على اثنين. لا يمكن أن يكون ولاؤك لوطنك، ولقضيتك، وتقسم أغلظ الأيمان على ذلك، ويكون بعد ذلك لديك ارتهان أو التزام من أي نوع، لأي طرف آخر، خاصة إذا كان هذا الطرف خارجياً، وصاحب أجندة طويلة ومُعقدة، فيها المعلن، وفيها غير المعلن، كما هو حال "جماعة الإخوان"، وتنظيمها الدولي. وهذا، في رأيي، هو بيت الداء، وأساس المشكلة بالنسبة لـ"حماس" و"إخوان" الأردن، فنداء الواجب، والولاء للوطن، ربما يأتي في المقام الثاني عندهم، بعد توجيهات "المرشد العام" المتربع هناك في بلد آخر.

ثم تعالوا لنحسبها أيضاً بمنطق الأرباح والخسائر السياسية البحت، هل كان من مصلحة "حماس"، وهي التي ما زالت تعاني في سبيل الحصول على اعتراف دولي بها كطرف يراد إعادة تأهيله سياسياً، أن تضع نفسها في خانة واحدة مع نحَّار وقاتل جماعي كالزرقاوي؟ وتزداد أهمية هذا السؤال أكثر إذا تذكرنا تشبث "حماس" بالأسنان والأظافر بالبقاء في السلطة، وسعيها المحموم إليها! وربما كان الأجدر بقادة "حماس"، المضي قدماً في تفعيل المقترح المطروح بتشكيل حكومة وحدة وطنية في أراضي السلطة الفلسطينية تكون بوابة جديدة للتعامل مع العالم الخارجي، تتصدر أجندتها أولاً مصلحة الشعب الفلسطيني، وإحياء القضية العادلة وتجنيبها التصفية في خضم الخلافات الداخلية بين أبناء الوطن الواحد.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-19-6-2006