العالم وخطر "أسلحة الدمار الكثير"!

 

بول كينيدي

 

نحن جميعاً على معرفة تامة بأسلحة الدمار الشامل، وهو ما يرجع في الأساس إلى تلك السيناريوهات المفزعة، المصحوبة بدرجة كبيرة من الضجيج، التي يطلع علينا بها البيت الأبيض و"البنتاجون" كل يوم تقريباً، ويحذراننا فيها من التهديد المخيف الذي تشكله تلك الأسلحة، التي تؤدي إلى تسميم وتدمير دنيانا بالمواد الكيمياوية والبيولوجية والنووية.

حسناً... هذه السيناريوهات قد تتحقق في وقت ما من القرن الحادي والعشرين. فأنواع المعارف الجديدة التي قد يكون فيها الضار والنافع، قادرة على الانتشار بسهولة عبر الحدود الوطنية، في هذا العالم المرتبط بعضه ببعض، كما أن الزيادة في العدد الإجمالي للدول، أو حتى في عدد اللاعبين غير المنتمين لدول -وهو الأخطر- والذي يؤدي إلى مضاعفة إمكانية حصول هؤلاء وأولئك على منظومات أسلحة ضخمة وقاتلة، يزيد بدوره من درجة القلق والخوف من احتمال تبلور مثل هذه السيناريوهات.

وهناك سؤال ملحٌّ هو: هل هناك جرعة من الدراما المبالغ فيها في هذا التركيز على أسلحة الدمار الشامل؟ والأهم من ذلك، هل بؤرة هذا التركيز ضيقة أكثر من اللازم؟ نعم، فالكثيرون يرون أن هناك تركيزاً مبالغاً فيه على أسلحة الدمار الشامل، في الوقت الذي يتم فيه التغاضي عن غير ذلك من أنواع الأسلحة المدمرة، التي تؤدي إلى قتل عدد هائل من البشر، ومع ذلك لا تحصل على القدر نفسه من الاهتمام الذي تحصل عليه أسلحة الدمار الشامل.

تشتمل هذه النوعية على طائفة واسعة من الأسلحة منها على سبيل المثال: القاذفات متوسطة المدى، والمركبات المدرعة، ومدافع الهاون، و"البازوكا"، والقنابل اليدوية، والألغام، والمدافع الرشاشة، والبنادق الهجومية آيه كيه- 47، وبنادق الكلاشينكوف. صحيح أن أياً من تلك الأسلحة، لا يقدر على تدمير مدينة بأكملها، ولكن الدمار الذي تحققه في مختلف أنحاء العالم لو تم جمعه فسيتبين لنا أنه هائل، مما يسوغ لنا بالتالي أن نطلق على تلك الأسلحة مسمى "أسلحة الدمار الكثير". والحقيقة أن فهمنا لهذه الظاهرة يقتصر على ما نشاهده من الدمار الذي تحدثه هذه النوعيات من الأسلحة في نشرات الأخبار. فنحن ندرك أن تلك الأسلحة تحدث أضراراً هائلة، ونرى ذلك على الشاشات، ولكننا لا نشغل أنفسنا كثيراً بالتفكير في الطريقة التي وصلت بها تلك الأسلحة أصلاً إلى أيدي الأنظمة المارقة والعصابات الإجرامية، والثوار والمتطرفين.

ولتحقيق درجة أكبر من الفهم لعلم تجارة الأسلحة الغامض، فإنه قد يكون من المفيد لنا أن نطلع على الأدلة الواردة في تقرير قدمته منظمة العفو الدولية تحت مسمى "ميت في الميعاد المحدد: نقل الأسلحة، السمسرة، والتهديد الذي تمثله لحقوق الإنسان". وهذا التقرير عبارة عن مسح شامل لتجارة الأسلحة في العالم، ولكنه يتميز بطبيعة فنية خالصة تجعله ملائماً للقارئ المتخصص أكثر منه للقارئ العادي. وفيما يلي أورد بعض النقاط التي استخلصتها من التقرير المذكور، والتي قد تفيد القارئ غير الخبير الذي يروم استيعاب الموضوع :

النقطة الأولى :

أن هناك نتيجة غير مقصودة، ترتبت على نهاية الحرب الباردة وهي التقليص الحاد في ميزانيات الدفاع للعديد من الدول سواء في الشرق أو الغرب، نتيجة لتخفيض حجم القوات البرية والبحرية والجوية، على مدار عقد التسعينيات من القرن الماضي، وهو الأمر الذي دفع بعض الدول إلى بيع الأسلحة الزائدة المكدسة في مستودعاتها بأسعار زهيدة للغاية، كما دفع مصانع الأسلحة الكبيرة إلى البحث الحثيث وبأية طريقة عن مشترين لمنتجاتهم.

ثانياً: أن هذه الفئة من مصانع السلاح العريقة، سرعان ما لحق بها عشرات -إن لم يكن مئات- من مصانع وشركات السلاح الأصغر حجماً، والعاملة في أجزاء من العالم النامي مثل البرازيل ومصر وباكستان، وغير ذلك من الدول ذات الاقتصادات الأقل تطوراً.

ثالثاً: هناك شبكات عالمية مشبوهة، وشديدة التعقيد تتكون من منتجي الأسلحة، ووكلاء المشتريات، والوسطاء، والبنوك المنحرفة، وشركات الشحن الخبيرة في التهرب من العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة، تقوم في الوقت الراهن بعمليات يصعب إلى حد كبير معرفة مصادرها، أو معرفة الأماكن أو الجهات التي ستستقر فيها في النهاية كما يصعب أيضاً معرفة الأطراف الرئيسية والفرعية المشاركة فيها. وكل هذه الأنشطة المشبوهة توجد جنباً إلى جنب مع ما يعرف بتجارة الأسلحة الشرعية، أي شراء وبيع الأسلحة بمعرفة الحكومات ذاتها. المشكلة هنا تكمن في أن هناك دولاً تلتزم بصرامة بقواعد وضوابط تصدير الأسلحة، وإصدار تراخيص التصنيع، والالتزام بالعقوبات التي يصدرها مجلس الأمن الدولي، ودولاً لا تلتزم بذلك، أو تلتزم ولكن ليس بدرجة الصرامة المطلوبة.

بالنسبة لبعض البلدان (روسيا ومصر على سبيل المثال) تمثل تجارة الأسلحة مصدراً حيوياً من مصادر الحصول على العملات الصعبة، وبالنسبة لبعض البلدان الأخرى (إسرائيل والصين) يمثل ذلك وسيلة مناسبة للحصول على النفوذ في الخارج. ولكن المشكلة هنا تكمن في أن هذه الدول، وعلى الرغم من التزامها بدرجات مختلفة بضوابط التصدير، تفقد أثر تلك الأسلحة بمجرد تسليمها إلى الدول التي اشترتها منها بشكل قانوني.

النقطة الرابعة والأخيرة، هي أن المجتمع الدولي يفتقد هذا النوع من الاتفاقيات الدولية، وبنيات الرقابة على هذا النوع من الأسلحة التي تماثل تلك الخاصة بالأسلحة النووية ومنها على سبيل المثال لا الحصر معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وبنية مفتشي الأسلحة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويقوم المجتمع الدولي -وإن بشكل تدريجي- باتخاذ خطوات لمعالجة هذا التهديد. فهناك لجنة تم تكوينها بالفعل هي لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي، كما أن هناك الآن ما يعرف بمصلحة الأبحاث في الكونجرس، إضافة إلى العديد من الحكومات الإسكندنافية، ومجموعات الدراسة، وبعض المراكز التابعة للجماعات الكندية، والعديد من الكنائس والمنظمات غير الحكومية مثل منظمة العفو الدولية تقوم الآن بجمع الأدلة عن أي خروقات للمعاهدات والاتفاقات والضوابط والقوانين الخاصة بالتجارة الشرعية للأسلحة. وإلى جانب تلك الهيئات والمنظمات والمؤسسات، يقوم "الإنتربول" ووكالة "السي آي إيه" بتحري الأدلة التي يتوصلان إليها بمفردهما، على اعتبار أن تجارة الأسلحة غير الشرعية تمثل مصدراً مهما من مصادر تمويل الجماعات الإرهابية الدولية.

وعلى الرغم من أن المقترحات التي قدمها السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي عنان لإصلاح الأمم المتحدة قد ركزت على موضوع الأمن، وتضمنت نداءات للحكومات لإزالة هذا النوع من التجارة الفاسدة، فإن المشكلة أن العديد من الحكومات التي توجه إليها عنان بالنداء هي نفسها حكومات فاسدة وبحاجة إلى إصلاح، علاوة على أن الأرباح الهائلة التي تتحقق من مثل هذه التجارة لا تجعل مثل تلك الحكومات تتباطأ في تبني الإصلاحات التي يقترحها عنان أو غيره فقط ولكن يجعلها تذهب إلى حد معارضة تلك الإصلاحات علناً. وهو ما يقودنا في النهاية إلى قيادات الدول التي تهتم بهذا الأمر اهتماماً حقيقياً، وتدرك خطورته، ومدى أهمية تدمير تلك الشبكات المشبوهة ليس فقط لأسباب أخلاقية، ولكن بسبب تأثيرها المدمر على بنية المجتمعات المدنية في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وغير ذلك من مناطق.

ولكن تلك القيادات وهؤلاء الساسة كانوا سيشعرون بمزيد من الشجاعة عند تصديهم لهذه المسألة الخطيرة، لو أن هناك رأياً عاماً قوياً يقف وراءهم.

لذلك يجب على الناخبين أن يوفروا هذا الدعم أي أن يقوموا بإعطاء هذا الموضوع اهتماماً يفوق الاهتمام الذي أعطيته أنت، وأعطيته أنا له في الماضي. ويمكننا أن نشرع في ذلك في أي وقت، من خلال توجيه سؤال محرج للعضو الذي يمثلنا في الكونجرس أو في البرلمان نقول له فيه: "سيدي، ما هو الإجراء الذي تقترحه من أجل إيقاف قتل 300 ألف إنسان كل عام بسبب أسلحة الدمار الكثير".

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"-19-6-2006