التباس العلاقات الأوروبية - العربية

 

فايز سارة

 

كثيراً ما يبدو الالتباس ظاهراً في واقع العلاقات الاوروبية مع بلدان الشرق الاوسط ومع البلدان العربية بشكل خاص، ذلك ان العلاقات الاوروبية مع كل من اسرائيل وتركيا وايران أكثر استقراراً منها مع البلدان العربية، لأسباب كثيرة، ربما الأهم منها وضوح الطابع الخاص لعلاقات تلك البلدان مع الاتحاد الاوروبي ودوله المختلفة.

ان الالتباس الاول في العلاقات الاوروبية - العربية، يكمن في تعدد وتنوع المصالح الاوروبية مع البلدان العربية. ومن حيث المبدأ، لا يمكن القول، ان هناك «مصالح» أوروبية واحدة مع كل البلدان العربية، وعلى سبيل المثال، فان لفرنسا اهتمامات ثقافية واقتصادية وعاطفية بشرق المتوسط وخاصة بلبنان، وهي علاقة تتماثل مع النظرة الفرنسية لبلدان المغرب العربي الثلاثة تونس والجزائر والمغرب رغم اختلاف بعض التفاصيل، فيما لبريطانيا وفرنسا روابط تجارية مع دول الخليج العربية، ولكل من ايطاليا والمانيا علاقات تجارية مع اغلب البلدان العربية، وهو حال اغلب الدول الاوروبية وان اختلفت اهمية هذه العلاقات.

ولا يمكن رؤية مجمل العلاقات العربية مع دول الاتحاد الاوروبي بمعزل عن تطورات الاوضاع السياسية التي جرت، وتتوالى في المنطقة، وقد لعبت هذه التطورات بصورة سلبية أو ايجابية في مجرى العلاقات العربية - الاوروبية، فقد كان لمواقف دول الاتحاد الاوروبي المختلفة من الحرب على العراق اثر على تلك العلاقات، بحيث طرأ تحسن في العلاقات العربية مع كل من فرنسا والمانيا، مقابل تدهور في العلاقات مع بريطانيا وايطاليا، وقد ظهرت دعوات لمقاطعة هاتين الدولتين وبخاصة الأولى.

لقد ترتب على مجمل الوقائع المحيطة بالعلاقات العربية - الاوروبية، ان صارت هذه العلاقات محكومة بأربعة مواقف رئيسية: اولها موقف بريطاني، يكاد يكون متوافقاً مع الرؤية الاميركية للعلاقات مع العرب، اساسه الفرضيات السياسية، والثاني موقف مصلحي يدور في عتبة واسعة من التوافق والتصادم، تتخذه فرنسا ويتقارب مع موقف المانيا اذ تتحكم بالعلاقات مصالح تختلط فيها الاعتبارات الثقافية والاقتصادية على نحو ما هو الموقف الفرنسي من لبنان. والموقف الثالث هو موقف وسطي تمثله اسبانيا، هدفه ابقاء العلاقات على قاعدة افق يتطور، والمثال البارز في هذا، موقف اسبانيا المميز في العلاقة مع سورية، وأساس الموقف عدم عزل النظام ودفعه الى تطوير علاقته وتفاعله مع البيئة الاقليمية والدولية، وثمة موقف اوروبي رابع يقوم على التشدد في القضايا التي تمس العلاقات الاوروبية - العربية، وهو موقف اتخذته الدنمارك وشاركتها السويد ازاء سورية بعد حادثة اقتحام وحرق السفارتين الدنماركية والسويدية في دمشق.

ان الاوروبيين في ظل وضع عربي متدهور وغير فعال، وفي زمن يطغى فيه الحضور الاميركي القوي والفاعل في السياسة الدولية، لا يرغبون في صناعة سياسة اوروبية واحدة في منطقة الشرق الاوسط وازاء البلدان العربية بشكل خاص، لأن امراً كهذا سوف تكون له فواتير سياسية واقتصادية، لا يرغب الاوروبيون في تقاسمها او دفعها بصورة مشتركة، الأمر الذي يعني افساح المجال لكل واحدة من الدول، ان تضع سياستها الخاصة ازاء العرب عموماً وحيال كل واحدة من الدول العربية، لكن ذلك لا يعني بحال من الاحوال، ان هذه البلدان غير معنية بالتشاور وبتقريب السياسات والمواقف وخاصة في القضايا التي تهم اوروبا بشكل عام كما في موضوع الحرب على الارهاب، وموضوع الهجرة، والصراع العربي – الاسرائيلي وتسوية القضية الفلسطينية، وهناك مواقف تمثل الحد الادنى المشترك للبلدان الاوروبية من هذه القضايا.

وبطبيعة الحال، فان بقاء السياسة الاوروبية عند هذا المستوى من العلاقات مع العرب، لا يتناسب مع مصلحة اوروبا في بناء سياسة واحدة وواضحة مع منطقة جوار جغرافي وحضاري شديدة الاهمية والتأثير في الواقع الاوروبي، ليس من معيار التعاون بين الجانبين في مجالات الامن والاقتصاد والهجرة فقط، بل من جوانب العلاقات المستقبلية، التي ترسم علاقات مشتركة وضرورية لمستقبل يجمع الاوروبيين، او القسم الاكبر منهم مع جوار جغرافي حضاري للعرب مساحة كبرى فيه.

كاتب سوري.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-17-6-2006