مقالات و محاضرات

 

 

الخطر الكامن في لندنستان يهددنا جميعا

 

عادل درويش

 

وح الدعابة موهبة تميز ابناء الشرق الاوسط، خاصة المصريين، وابناء وطني القانوني بريطانيا، بابتكار النكتة في مواجهة ما يبدوا مأساويا، وان اختلفت الدوافع تاريخيا.

الشعوب تسخر من الجلاد المستبد بدلا من مواجهة سيفه، فالمعارضة الجادة يراها الديكتاتور الشرق اوسطي العبوس تهديدا استراتيجيا. وقد تجيء الدعابة استخفافا بتصلب المسؤول ذي الياقة المنشاة، او توظيفا لبرود اللامبالاة الإنجليزية للتقليل من شأن خطر خارج سيطرة الناس، كالجو القاسي مثلا.

والغرض في الحالتين واحد: صرخة من الاعماق بمقاومة ما يفرضه المستبد، او مصدر الخطر على الناس.

تعرض «احتلال» الأمريكيين للعراق للسخرية في رسوم كاريكاتير ونكات، اغلبها بذيء، في طوفان رسائل على الأنترنت. ووجد اليسار البريطاني لذة في التندر على اخطاء اجهزة الأمن في مكافحة نوع جديد من الأرهاب، ربما لأنه مبهم المعالم ولم يختبر من قبل.

وتغافلت الدعابات حقيقة ان المقابل للسخرية من حماقات الأمريكيين ـ وهي كثيرة ـ، هو معاناة العراقيين على اختلاف الأعراق والاديان. وضحايا ارهاب القاعدة والزرقاوي، وفلول البعث والمليشيات وما تسميه الفضائيات، زورا، بالـ«مقاومة»، يفوق عددهم اضعاف ضحايا تجاوزات بعض الجنود الامريكيين، الذين يتعرضون دائما للتحقيق.

وعندما تصاعدت حملة ارهاب منظمة الجيش الجمهوري الايرلندي IRA في بريطانيا في السبعينات والثمانينات، ظهر فيضان النكات الايرلندية (مثل نكات الصعايدة في مصر) فالشعب يسخر من مصدر الخطر. ظاهرة انتشار النكات ضد البوليس وحكومة توني بلير مقابل تقلصها ضد مرتكبي إرهاب اليوم وثقافتهم تستحق الدراسة.

فمطلب IRA كان محددا : خروج القوات البريطانية التي نشرتها حكومة هارولد ويلسون العمالية عام 1968، وتوحيد شطري ايرلندا تحت علم الجمهورية. واستهدف «ارهابهم» الاقتصاد بدون الأرواح (باستثناء اخطاء وحوادث منفردة)، وكانت IRA تبلغ البوليس عن القنابل التي تزرعها في المراكز التجارية في مواسم التسويق، قبل انفجارها بوقت يكفي لاخلاء المنطقة تجنبا لإيذاء البشر. ودفع ارتفاع الخسائر المالية لاغلاق الأسواق بالمصالح التجارية للضغط على الحكومة للتفاوض مع الجمهوريين الايرلنديين لتسوية سلمية.

لكن ما يواجه بريطانيا اليوم، وقبلها مصر والبلاد العربية، عبر هوس التطرف الإسلاموي، هو خطر حيوي Existentialist يهدد حياة البشر (لأن ألجهاديين الجدد، بعكس IRA ، لا يعطون انذارا متعمدين قتل البشر بالمئات سواء في نيويورك، او بالي، او مدريد، او لندن، او دهب، او عمان) ويهدد كيان المجتمعات الثقافي لمنعها من العيش بطريقة متحضرة.

فالإرهاب يستهدف قطع صلة المصريين المعاصرين بحضارة السبعة الاف عام، وقتل ثقافة التسامح والليبرالية التي ميزت مصر الحديثة منذ تواصلها مع الغرب ابتداء بالحملة الفرنسية في القرن 18؛ ويعاقب الأردنيين لتفضيلهم الاستثمار في بناء المستقبل على الاستمرار في الحرب، ويستهدف العراقيين والأفغان لمنعهم من بناء الديموقراطية واللحاق بالحضارة بعد التخلص من الديكتالتورية البعثية والطالبانية.

واليساريون يخلطون في دعاباتهم بين عدائهم لأمريكا ورئيسها، وبالتبعية لحكومات بريطانيا والشرق الاوسط لتحالفهم مع واشنطن، وبين الخطر الذي يهدد الكيان الثقافي لمجتمعهم الذي يضمن حريتهم في التعبير بالنكتة، ناهيك من سلامة نسائهم واطفالهم.

اللافت للانتباه تشابه خداع النفس بين يساريي الشرق والغرب بتصورهم، عمدا او غفلة، لحساسيات تعميهم عن رؤية خطر التطرف الاصولي المتأسلم.

وبينما دفن المسؤولون والمثقفون الشرق اوسطيون رؤوسهم في الرمال لثلاثة عقود، غفلة او خوفا من السنة واقلام المتأسلمين، ارتكب المسؤولون والمثقفون البريطانيون الحماقة نفسها. وذنب البريطانيين اعظم في احتضانهم لارهابيين، ربما لأغراض سياسية وتجارية، او لقراءة خاطئة للمصالح البترولية.

حكومات مصر وجيرانها زايدت على فقهاء التطرف ودعاة الكراهية والإخوان المسلمين بأسلمة المجتمع على نمطهم (ولا نقصد هنا تدين الناس، فالمصريون متدينون قبل دخول الاسلام ارضهم بخمسة الاف وثلثمائة عام، وانما نقصد اجبار تيار سياسي يتسربل بعباءة الإسلام الناس وتهديدهم لتغيير ثقافتهم واسلوب حياتهم لتحقيق اهداف هذا التيار).

تمثلت المزايدة في رقابة الحكومة على الاداب والفنون، وتقييد وسائل التعبير والمنابر الليبرالية، ما ترك الساحة للأصوليين المتأسلمين. وصمت المثقفون، في وزارة الثقافة وخارجها، خشية اتهام فقهاء التطرف لهم بالكفر والالحاد، وقدمت فنانات أسوأ قدوة بإشهار «تحجبهن» في ضجة اعلامية من اجل حفنة دولارات.

واحتضنت بريطانيا ـ المعروفة في دعابات المعلقين بلندنستان من ازدحامها بالأصوليين المتطرفين واخوان القاعدة ـ متطرفين ارهابيين مطلوبين للعدالة في بلدانهم، كلاجئين سياسيين حسب معاهدة 1951. والظن ان حكومة لندنستان احتفظت بهم كورقة ضغط على حكوماتهم، وعرضت سفراءها لمحاضرات الديبلوماسية البريطانية حول الحريات السياسية؛ او حفاظا على مصالح تجارية لفهم خاطئ بحساسيات مسلمين تقليديين ممسكين بمحابس البترول، رغم ان بلدان المنطقة تعرضت للإرهاب قبل ان يضرب لندن بسنوات.

كان هناك اتفاق غير مكتوب بين المسؤولين البريطانيين وزعماء التطرف بتركهم يعيثون في الأرض تطرفا، ويبثون خطاب التطرف والكراهية وتعليمات الفساد والقتل عبر الإنترنت، او الفاكس او ميكرفون ابو حمزة المصري وامثاله. واغمضت الحكومة عينيها وسدت اذنيها عن عبثهم بعقول الشباب وتجنيد الصغار لارتكاب الجرائم في مصر وبقية افريقيا، والجزيرة العربية، وباكستان، طالما حافظوا على نظافة شوارع لندنستان من القنابل.

لكن فات حكومة بريطانيا ان المنافقين لا يحترمون اتفاقا وينكثون العهود في اقرب فرصة.

وعندما دعم توني بلير امريكا بعد عدوان القاعدة عليها في 11 سبتمبر عام 2001، بالتوجه لأفغانستان للقبض على الفاعلين، مزق المنافقون الأصوليون ـ ابو حمزة، وابو قتادة، وابو جهل، وابو لهب، وابو سيف، وابو قنبلة، وابو حزام ناسف، وابو حذاء متفجر، وابو خنجر مسموم ـ الاتفاق من جانب واحد، مثلما مزق صدام حسين اتفاق شط العرب من جانب واحد في تلفزيون بغداد عام 1980 عشية عدوانه على ايران.

ورغم انخفاض الاصوات الخجولة البريطانية، فحكومتها، على الاقل، تعترف على استحياء بأن الخطر الأكبر على مستقبل ام الديموقراطيات التي تحمي مظلتها كل الديانات والأعراق وبمن فيهم قرابة مليوني مسلم، هو التطرف الاسلامي الاصولي.

فمتى ستعترف الحكومات العربية بهذا الخطر الذي يفوق خطر المغول في القرن الحادي عشر، وتقاومه بجدية بدون خشية اتهام فقهاء التطرف لها زورا بمعاداة الاسلام؟ فالغالبية العظمى من المسلمين المسالمين هم الهدف الاول لكراهية وقنابل هؤلاء المتطرفين الذين سرقوا راية الإسلام.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-17-6-2006