ليبق هنية من أجل «فتح»

 

عبد الرحمن الراشد

 

عرض اسماعيل هنية منصبه لخصومه لقاء تحقيق التوافق بين الاطراف الفلسطينية التي هي في حال تنازع على السلطة. تبرعٌ كريم وموقفٌ اخلاقي ووطني كبير لكنه في الوقت الخاطئ وللفريق الخطأ.

لو تنازل هنيه عن رئاسة الوزراء وقبلت السلطة باستقالته سيضر بمستقبل الدولة الفلسطينية بصيغتها المدنية التي هي اليوم تحت التمرين. هنية صار رئيسا للوزراء عبر نظام انتخابي شرعي صوتت له الأغلبية، ولو تنازل عنه فسيكون قد تخلى عن واجبه الأول، وتكون حماس قد خذلت مواطنيها. هنية في الحكم، او من تختاره حماس من داخلها، ضرورة للبناء الحديث للدولة، وليس مجرد منصب يعرض للمساومة من اجل التوصل الى حلول سياسية او يباع بسبب ابتزاز من الخصوم في فتح الذين شنوا حربا على حماس لم تتوقف بعد لأنهم خسروا انتخابيا.

بل إن بقاء هنية على رأس الحكومة يخدم اغراضا ثلاثة، سيصنع نظاما مؤسساتيا يقوم على أصول نظامية ويشرع لنفسه تقاليد في توارث الحكم. ثانيها انه يلزم الرابح في الانتخابات بواجباته بدل التهرب منها عندما تشتد عليه الأزمات. وآخرها ان بقاء حماس في السلطة وفتح في الشارع هو السبيل الأمثل لتنظيف فتح من الفساد المستشري فيها. ولو تنازل هنية ورجعت الحكومة بمنافعها لكوادر فتح ستعود معها الفوضى والسرقات واساءة استخدام الصلاحيات الى عهد ما قبل الهزيمة الانتخابية. استمرار حماس في السلطة في دورة حكومية كاملة سيكون أعظم خدمة لفتح، الذي يعد الأكبر والأكثر تاريخية، لأنه سيفرض على قياداتها حمل المكنسة وتنظيف ما علق بها وتراكم من ممارسات سيئة وسمعة غير نظيفة. فتح حتى هذا اليوم لم تفعل الكثير سوى أمرين، البكاء على الخسارة الانتخابية، واثارة الفوضى في الشارع الشعبي.

أيضا، تنازل هنية عن رئاسة الوزراء حتى لتكنوقراطيٍ محايد، سيلحق الهزيمة بالنظام السياسي كما اراده الفلسطينيون في البداية، وسيدق مسمارا في نعش المبدأ الأول للعمل الديموقراطي وهو تبادل السلطة وفق الانتخاب. نعم، حماس ارتكبت اخطاء كبيرة برفضها اتفاقيات موقعة دوليا، ورفضها التفاوض السلمي، فسببت لمواطنيها الكثير من الأذى. لكن حماس تستطيع ان تقول إنها مارست حقها وإن ناخبيها صوتوا لها وهذا بالفعل صحيح.

والسؤال لماذا يصبح هنية كريما بمنصبه ومستعدا للتنازل عما اخذه بحق وعدل، هل لأنه عاجز عن ادارة الحكومة، ام انه نقص المال وقلة الحيلة، او الهرب من الاستحقاقات السياسية المقبلة التي لا مناص منها من اعتراف بما وقع سابقا والتفاوض على ما تبقى لاحقا؟

أيا يكن السبب فإن حاجة الفلسطينيين الى التمسك بهنية رئيسا للوزراء، وحماس كحكومة، ضرورة للعمل السياسي الصحيح لتأسيس «الجمهورية» السليمة، وهي التي ستقود قطعا لاحقا الى الحل النهائي للقضية الفلسطينية بما يراه الشعب الفلسطيني لا حزب حاكم او منافس.

alrashed@asharqalawsat.com

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-17-6-2006