مقالات و محاضرات

 

 

مخاطر غياب المعايير الدولية عن حظر انتشار الأسلحة الخفيفة

 

 

بالطبع لا أحد يدري مصير الآلاف من الأسلحة وملايين الذخائر الحية التي جرى ترحيلها إلى العراق عام 2004, وهي الأسلحة والذخائر التي تعود إلى أيام الحرب البوسنية. والغريب أنه لا الحكومة البوسنية, ولا حلف "الناتو" ولا متعهد الترحيل العسكري بولاية ألباما, الذي تولى ترحيل تلك الأسلحة, ولا حتى القيادة العسكرية المتعددة الجنسيات التي يفترض فيها استلامها في العراق, تعلم عنها شيئاً الآن! ومن جانبها تعترف السلطات الدولية المسؤولة عن الرقابة على ترحيل الأسلحة من البوسنة, بأنه ليس لديها من نظم التتبع, ما يمكنها من التأكد من عدم إخطاء تلك الأسلحة لهدفها ومقصدها أم لا. تلك هي خلاصة التقرير الذي أعدته عنها منظمة العفو الدولية. ومثلما كانت عليه القارة الإفريقية قبل عقد مضى, فإن العراق مغرق بالأسلحة الخفيفة إلى حد مثير للقلق حقاً. وهناك من التقارير ما يشير إلى "فقدان" ما يقدر بـسبعة ملايين قطعة من الأسلحة الخفيفة, من المخازن الحربية لنظام صدام حسين, مع بدايات الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ولك أن تضيف هذا العدد المهول من الأسلحة العراقية, إلى تلك التي يجري تداولها في كل من القارة الإفريقية وأميركا اللاتينية ومنطقة شرقي آسيا, وبقية أنحاء الشرق الأوسط. وللكثير من هذه الأسلحة عمر طويل من الإخفاء والتخزين السري, كما جرت إعادة تصنيع بعضها من نزاعات تعود إلى الحقب الأولى من فترة الحرب الباردة. غير أن ذلك لا ينفي حقيقة تجديد وزيادة مخزون هذه الأسلحة من الواردات المصنعة حديثاً, مع العلم أنه يجري إنتاج الأسلحة الخفيفة في ما لا يقل عن 95 دولة في شتى أنحاء العالم.

يذكر أن الأمم المتحدة كانت قد بدأت عملية في عام 2001, هدفت للتصدي لتصاعد مشكلة الأسلحة الخفيفة هذه. وعلى الصعيد نفسه, تعهدت الحكومات الأعضاء في المنظمة الدولية, بتبني برنامج وخطط عمل يرميين للتصدي لكافة جوانب هذه التجارة السرية غير المشروعة في الأسلحة. هذا ومن المتوقع أن تعقد الدول المذكورة اجتماعاً لها في وقت متأخر من الشهر الجاري, بهدف مراجعة ما أحرزته من تقدم في تلك البرامج وخطط العمل, مع العلم بأن ما تحقق منها ليس مشجعاً بما يكفي حتى الآن. وفي وسع الدول أن تزعم إحرازها تقدماً في سيطرتها على مخزونات وتجارة الأسلحة الخفيفة غير المشروعة, غير أن الحقيقة التي لا مراء فيها أن ما أحرز لا يكفي للحد من انتشار الأسلحة المذكورة ولا لخفض منتجاتها ووارداتها الجديدة.

وعلى الرغم من إحباط الكثير من محاولات تهريب هذه الأسلحة في عدة دول خلال الأعوام الماضية, فإنه لا المحاكم ولا الوحدات العسكرية المعنية بالأسلحة, تمكنت من تقديم بعض أشهر مجرمي ومهربي الأسلحة هذه للعدالة والنيل منهم قانونياً. من ذلك مثلاً, أنه وعلى رغم مذكرة التوقيف الصادرة من "الإنتربول" الدولي بحق تاجر الأسلحة الشهير "فيكتور بوت", فإنه لا يزال قادراً على التحرك الحر الطليق في شوارع موسكو أحياناً! وحتى في الحالات التي يتم فيها إلقاء القبض على بعض التجار والموردين غير الشرعيين للأسلحة إياها, فقد تكرر عجز المحاكم الوطنية بسبب محدودية سلطاتها, بموجب القوانين الوطنية التي تستند عليها, مما يخرج النظر في هذا النوع من القضايا, من دائرة اختصاصها تماماً.

وقد حدث أن شطبت المحاكم المحلية في كل من بنما وإيطاليا, قضايا تجارة أسلحة, على رغم إلقاء القبض على المتهمين فيها. والسبب هو قول المحاكم إن الأسلحة موضوع الاتهام لم تمر عبر أراضي محكمة الاختصاص عملياً. ففي حالة بنما كانت الأسلحة في مكان ما من القارة الإفريقية, في حين كانت الأسلحة التي يفترض أن تنظر فيها المحكمة الإيطالية في كولومبيا. يذكر بهذه المناسبة أن طلاب المدارس الثانوية في بريطانيا, توصلوا إلى مدى سهولة الالتفاف حول النظم والقوانين الدولية, بواسطة إنشاء شركات وهمية, ومن ثم التوسط في صفقات تهدف لبيع قاذفات القنابل الباكستانية, أو بيع الأسلحة التركية لجمهورية مالي الإفريقية, أو بيع بنادق جنوب إفريقيا لإسرائيل.

نخلص من كل هذا إذن إلى أن العائق الرئيسي أمام التحكم في انتشار الأسلحة الخفيفة, هو غياب معيار القانون الدولي, الذي يمكن الاحتكام إليه وفرضه على كافة الدول. والشاهد أن اللوائح والنظم الدولية المتوفرة حالياًِ تعاني من نقص وأوجه قصور كارثي. أما من زاوية القانون الدولي, فما أكثر الثغرات التي يمكن للمجرمين الإفلات من العدالة عبرها. وفي حين تتوفر في معظم الدول, قوانين خاصة بنقل وترحيل البضائع, إلا أنها تغطي عدداً هائلاً من المواد التجارية, فضلاً عن تفاوتها بين دولة وأخرى. وفيما يتعلق بنقل وترحيل الأسلحة, فإن الدول التي لديها قوانين ولوائح تنظم هذا النوع من النقل, تقل عن 50 في المئة من مجموع دول العالم كله. وليس أدل على ذلك من وجود 32 دولة فحسب, تتشدد قوانينها الوطنية في نقل وترحيل الأسلحة. إلى ذلك نشير إلى عدد أقل من هذا بكثير, فيما يتعلق بمحاكمة الأفراد الذين ينتهكون حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.

غير أن من المهم الآن القول إنه وعلى امتداد الخمس سنوات الماضية, بادرت مجموعة من المنظمات الطوعية غير الحكومية, إلى دعوة الدول لتبني معاهدة تهدف إلى فرض معايير دولية قانونية تنظم تجارة الأسلحة الخفيفة. وبما أنه متوقع لاجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الصيف الحالي, أن يتبنى اقتراحاً عملياً بفرض هذه المعايير, فإن على الولايات المتحدة أن تنضم إلى هذه الجهود, بما يتناسب ووزنها القيادي العالمي.

أستاذة السياسات العامة والعلاقات الدولية بجامعة ميتشجان

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور" -18-6-2006