إشارات الخطر!

 

عبد الله عبيد حسن

 

ما تزال كندا تعيش دوامة التداعيات الناجمة عن أحداث الأيام الماضية المتمثلة في اعتقال سبعة عشر كندياً مسلماً، اتهموا بالاشتراك في الإعداد والتخطيط لمؤامرة تستهدف نسف بعض المنشآت القومية الكندية والهجوم المسلح على مجلس العموم "البرلمان" الكندي، واعتقال أعضائه وذبح رئيس الوزراء على طريقة الإرهابيين في العراق. والذي يتصور أن الحياة في كندا وبالأخص في منطقة تورنتو الكبرى اليوم، هي مثل ما كانت عليه الليلة السابقة ليوم اعتقال المتهمين الشباب، يقع في خطأ كبير.

فهذا الحادث الذي بدأت تتسرب بعض المعلومات الصحفية عنه، قد ألقى بظلال كثيفة من الخوف والقلق المصحوب بالتوتر، واهتزاز الثقة المجتمعية في السياسات المبدئية الكندية، حول مسألة التعددية الثقافية والإثنية التي تمثل دعائم المجتمع الكندي الديمقراطي الليبرالي. والهموم التي أثارها الحادث الذي أصبح يعرف إعلامياً بـ"الخلية- الإنتاج المحلي"، قد ألقت بظلالها على عموم المجتمع الكندي بكل طوائفه وتكويناته الإثنية والدينية، ولكن ظلالها تصبح كل يوم أكثر قتامة على مجتمع المسلمين الكنديين. وبرغم كل الجهود الرسمية الطيبة التي بذلت وتبذل إعلامياً والاجتماعات المكثفة والمتعددة، التي عقدها المسؤولون في مدينة تورنتو وفي العاصمة الكندية، مع رؤساء وقادة الجمعيات الإسلامية وأئمة المساجد ورؤساء المراكز الإسلامية، لتبصير المواطنين بأنه ليس معنى اعتقال واتهام مجموعة صغيرة من الشبان المسلمين الكنديين بالاشتراك في مؤامرة إجرامية ضد وطنهم كندا، سيحسب على المجتمع المسلم الكندي الذي يتميز 99% من أعضائه بأنهم كنديون عاملون بجد وأمانة من أجل تطوير مجتمعهم العام ومجتمعهم الخاص. مثل هذا التعبير والتنوير الإعلامي يرد يومياً وبشتى الأساليب والصور على ألسنة السياسيين الرسميين والمعارضين، ومع ذلك فالحقيقة المعلومة أن مجتمع المسلمين الكنديين اليوم نفسياً واجتماعياً، ليس مثل ما كان عليه بالأمس. إن المرء يلحظ ملامح القلق والتوتر في الوجوه وفي الاجتماعات وفي ساحات المساجد الجامعة.

إن الأسئلة الثقافية والفكرية التي تطرح الآن والتي أثارها ذلك الحادث، يتردد صداها بشدة وقوة بين صفوف المسلمين الكنديين المهتمين بالقضايا العامة، وهي أسئلة من الحق أن يُقال الآن إنه قد جرى تجاهلها في الماضي، وعندما كانت تثار من قبل كانت معظم الإجابات التي تقدم بشكل سطحي وتهريجي، تعكس جهلاً وتخلفاً عميقين عن العصر الذي نعيشه والمجتمع الذي اخترناه طوعاً بلداً لنا، ومن الخير للناس أن يواجهوا الحقائق المرّة في حياتهم قبل فوات الأوان.

ولكن بعض الخطباء والمتحدثين والكتاب المثقفين المسلمين، قد اختاروا المذهبية والفكرية والطائفية مع إخوانهم المسلمين المختلفين معهم طائفياً. فعوضاً عن البحث في جذور الأزمة ومكوناتها كندياً، يتردد الحديث وبشكل مبتذل عن أن أصل الإرهاب المسمى إسلامياً، هو في مذهب إسلامي دون غيره، وهو نتاج مدرسة إسلامية بعينها دون سواها من المدارس الفكرية الإسلامية، وهي التي صدرته، ليس لكندا وحدها وإنما للعالم الإسلامي وغيره!

إن هذا البلد الطيب -كندا- يشعر أهله شعوراً حقيقياً وليس مصطنعاً، بخطورة إثارة النزعات الطائفية والإثنية على مجتمعهم، وذلك لأسباب تاريخية كثيرة ومعلومة ليس أقلها في ذاكرة الكنديين، مسألة "كيبك" والأزمة التي عاشتها كندا عام 1975، من جراء أول حادثة إرهابية نظمها ونفذها جماعة مما عُرف آنذاك بحركة "تحرير كيبك الفرنسية".

والذي يريد أن يتعامل اليوم مع حادثة السبعة عشر، عليه أن يدرك تاريخياً، منبع ومصدر هذا القلق والتوتر الذي يسود هذا المجتمع اليوم، وأن يتصارع بعض المسلمين مع بعضهم بعضاً ثقافياً وفكرياً أمر ليس جديداً على الإسلام والمسلمين، لكن الخطر كل الخطر أن يتطوع مسلم بإلقاء تبعية ومسؤولية قضية ما تزال في طور التحقيق، على جماعة إسلامية بكاملها، لأنها تخالفه مذهبياً. ذلك هو الخطر والأمر الذي لا يقره قانون أو عرف، ولكن من حسن حظ المسلمين الكنديين أن كثيراً من شركائهم في الوطن من غير المسلمين، انتبهوا لهذا الأمر واستنكروه قبلنا.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-15-6-2006