"المونديال" والسياسة: أي علاقة؟

 

د. وحيد عبد المجيد

 

لكرة القدم عشاقها في دول العالم كلها، تتفاوت الشعوب في مدى حبها لهذه الرياضة، وفي نسبة هؤلاء المحبين إلى إجمالي السكان. حدث ذلك تدريجياً منذ العقود الأولى في القرن العشرين عندما فرضت كرة القدم وجودها باعتبارها الرياضة الشعبية الأولى بلا منازع في العالم.

غير أن الاهتمام بكرة القدم وأحداثها المحلية والعالمية، وفي مقدمتها "المونديال" لا يقتصر على الشعوب، الحكومات أيضاً في كثير من الدول تبدي اهتماماً ملموساً بهذه اللعبة التي لا تضاهيها رياضة أخرى في شعبيتها.

ولكن يظل ثمة فرق كبير بين اهتمام الشعوب والحكومات بكرة القدم، الشعوب تهتم بها اهتمام الراغب المحب بل العاشق المستعد لأن يعطي وقتاً وجهداً ومالاً من أجل ما يحب. أما الحكومات فهي تعنى بالكرة إما إرضاء لشعوبها أو سعياً إلى خداع الشعوب واستغلال فوز يحققه الفريق الوطني لأغراض سياسية. والأكيد أن بين الحكام من يحب الكرة فعلاً، ولا تخلو حكومة في أي بلد من وزراء يعشقون الكرة. وبين محبي هذه اللعبة أيضاً رؤساء دول وحكومات، ولكن السلوك الشخصي شيء، والاهتمام الحكومي شيء آخر.

ويثير ازدياد هذا الاهتمام الرسمي وتوسع نطاقه قضية العلاقة بين كرة القدم والسياسة، وهذه قضية تختلف فيها الاتجاهات بالرغم من أن الاتحاد الدولي "فيفا" يحظر تدخل السياسة في أمور الكرة. هناك من يرون في هذه العلاقة أمراً طبيعياً بل بديهياً، لأن الكرة هي الرياضة الجماعية الأكثر شعبية التي تتنافس فيها فرق وطنية يلعب كل منها باسم دولته. وتبدأ المباراة بعزف الموسيقى الوطنية لدولتي الفريقين المتنافسين اللذين يرفع كل منهما، والحال هكذا، العلم الوطني، كما أن هذا العلم يرفرف عادة في مدرجات المشاهدين.

فالعلاقة، إذاً ثابتة وفوق هذا الاجتهاد الذي يرى أصحابه أنه ما من ظاهرتين يتقاطع فيهما الانتماء إلى الوطن والمصلحة الوطنية، مثل كرة القدم والسياسة.

غير أن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى آخرين يعتبرون العلاقة بين الكرة والسياسة مفتعلة، ويحذرون من خطرها. وهم لا ينكرون، على هذا النحو، وجود علاقة بين الكرة والسياسة، ولكنهم يرفضون اعتبارها أمراً طبيعياً ناهيك عن أن يكون بديهياً، لأن ما هو طبيعي في نظرهم هو التعامل مع كرة القدم، وأي لعبة أخرى، بوصفها مجرد رياضة لا أكثر ولا أقل. فهي ليست سياسة، ولا ينبغي أن تكون، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها صورة مصغرة للدولة، ولا تعبيراً عن انتماء وطني أو كبرياء قومي. فلا يصح، من وجهة النظر هذه، اختزال الدولة في أقدام ورؤوس أحد عشر لاعباً في ملعب للكرة وفي مباراة مدتها تسعون دقيقة. ومن السخف، حسب هذا الاجتهاد، أن يكون فوز هؤلاء اللاعبين مصلحة وطنية للدولة، والعكس.

هذا الخلاف الذي لا يمكن حسمه، سيستمر ويتواصل ما بقي الاتجاه الذي يرفض العلاقة بين الكرة والسياسة صامداً في موقفه رغم أن الواقع يعاكسه. فليس أدل على وجود هذه العلاقة، في الواقع، من المقارنة التي أجراها السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي أنان، عشية افتتاح "المونديال" الحالي بينه وبين المنظمة الدولية. وجاءت هذه المقارنة في مصلحة "المونديال"، حيث تتوفر مساواة بين الدول ويحدث تنافس عادل تحكمه قيمتان موضوعيتان هما الموهبة والعمل الجماعي. ولذلك عبر أنان عن غيرته من "المونديال" وأمله في أن تحذو العلاقات الدولية حذوه.

غير أن "المونديال"، الذي تمنى أنان أن يؤثر في السياسة هو الذي يتأثر بها في بعض جوانبه، فالحكومات المأزومة مثلاً، أو التي تفتقد الشرعية أو المشروعية أو كلتيهما، تسعى إلى استغلال فوز الفريق الوطني لبلدها فتسطو على هذا الفوز وتنسبه لنفسها أو لسياستها وتحوله إلى نصر وطني. ومن الأمثلة الكلاسيكية في هذا المجال سلوك الحكومات العسكرية في أميركا اللاتينية في ستينيات وثمانينيات القرن الماضي، خصوصاً في البرازيل والأرجنتين، حيث يوجد اثنان من أقوى وأهم المنتخبات الوطنية في مجتمعين من أكثر مجتمعات العالم عشقاً للكرة.

فكان "مونديال" 1970 فارقاً في تثبيت الحكم العسكري الذي استولى على السلطة في البرازيل عام 1964، كما كان "مونديال" 1978 نقطة تحول باتجاه إضفاء شرعية على الحكم العسكري في الأرجنتين. وبلغ استغلال حكام هذا البلد -الذي يتيه شعبه عشقاً بالكرة- ذروة أخرى عندما سعوا إلى إقناع هذا الشعب بأن فوز منتخبه الوطني على بريطانيا في مونديال 1986 بهدفين يعتبر تعويضاً عن الهزيمة العسكرية في حرب فولكلاند.

وليس في إمكان رافضي العلاقة بين الكرة والسياسة إنكار وجودها على هذا النحو، المرشح للازدياد ما بقي الحبور الشعبي بالنصر الكروي مغرياً لحكومات تبحث عن أي إنجاز لاستغلال هذا النصر.

غير أنه في إمكانهم التصدي لنظرية العلاقة الوثيقة بين الكرة والسياسة، عندما يذهب بعض أنصارها إلى مدى أبعد عبر الزعم بأن هذه العلاقة تنطوي على أوجه شبه كثيرة انطلاقاً من أن كلتيهما تقومان على التنافس، وهذا زعم ضعيف لأن التنافس في الكرة سلمي، والعنف هو الاستثناء. لكن الأمر ليس كذلك في السياسة التي تعرف مستويات متفاوتة من العنف تبدأ باللغة المستخدمة في إدارة الخلاف وتنتهي بالاغتيال والتفجير.

ورغم أن العنف صار مكروهاً في السياسة، أو قل إن ازدياد مستوى التحضر يرتبط بالنفور منه، فما زال من الصعب تجنبه. وينطبق ذلك على السياسات الداخلية، وعلى السياسة الدولية، في آن معاً. وكثير من علماء وممارسي السياسة اهتموا بمناقشة علاقتها بالألعاب الرياضية بوجه عام. ومن أطرف المقارنات في هذا المجال ما تضمنه كتاب مشهور للسيناتور الأميركي الراحل ويليام فولبرايت وهو "ثمن الإمبراطورية" الصادر عام 1989.

ففي مناقشته لمخاطر الصراع الأميركي- السوفييتي في مرحلة الحرب الباردة، التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة مع صدور ذلك الكتاب، رأى "فولبرايت" أن هذا الصراع لا يمكن أن يكون مماثلاً للتنافس حول من تكون له الكلمة العليا في ملعب لكرة القدم.

ولاحظ "فولبرايت" أنه على عكس التنافس الرياضي الذي لا يؤذي أحداً، وإنما يستمتع الجميع به، فإن حدة التنافس الدولي ليست من دواعي المرح، وخصوصاً في ظل انتشار أسلحة الدمار الشامل.

كما أن "نظرية المباريات وهي إحدى النظريات المهمة في حقل العلاقات الدولية، تفيد في إبراز الفرق الجوهري بين التنافس الرياضي والصراع السياسي. فما يعرف بالمبادرة الصفرية مثلاً Zero Sun Game يمكن أن يبعث على البهجة في الألعاب الرياضية، بينما هي أخطر صور الصراع السياسي- العسكري وأكثرها إيلاماً.

والمقصود بهذا النوع من المباريات أن يكسب طرف كل شيء، فلا يبقى للطرف الآخر بالتالي أي شيء. وهذا أمر طبيعي في الألعاب الرياضية. وفي كرة القدم مثلاً قد لا يرضى عشاقها بمباراة تنتهي بالتعادل، قد يتمنى ذلك الفريق الأضعف وجمهوره لضرورة عملية، أما الذين يرغبون في مشاهدة مباريات ممتعة فيزعجهم لجوء الفريق الأضعف إلى تكتل دفاعي محكم يفسد اللعب الجميل ولا يترك له مجالاً.

ولذلك فغالباً ما تكون مباريات الكرة الأجمل والأقوى إثارة هي التي تنتهي بفوز أحد الفريقين. هذا الفائز يحصل على نقاط المباراة كاملة، ولا يبقى للخاسر إلا الصفر. وقد تكون حصيلته صفراً من الأهداف أيضاً، وعندئذ نكون إزاء نموذج لمباراة صفرية قلباً وقالباً.

غير أن الصراع السياسي أو العسكري الذي ينتهي بنتيجة مماثلة يكون هو الأسوأ على الإطلاق لسببين: أولهما أنه يعني فرض دولة أو أكثر هيمنة كاملة على دولة أخرى لا يبقى أمام قيادتها وشعبها إلا الاستسلام بكل ما ينطوي عليه من آلام مادية ومعنوية. أما السبب الآخر فهو أن الشعب الذي يُفرض عليه مثل هذا الاستسلام الذي يهين كرامته يسعى غالباً إلى الانتقام مما تعرض له. وقد تكون ممارسته للثأر جماعية، عبر تأييد الأغلبية لزعيم أو حزب متطرف يعد العدة لشن حرب انتقامية قد تكون أكثر تدميراً من تلك التي خسرها هذا الشعب من قبل، وفقد فيها كل شيء.

ولذلك فعلى خلاف كرة القدم التي تبدو المباراة الصفرية فيها شديدة البهاء، تعتبر المباراة غير الصفرية هي الأفضل في الصراعات السياسية والعسكرية، ولذلك تطورت أدوات التسوية السلمية لهذه الصراعات ومناهجها. فالمباراة الصفرية مؤلمة دائماً في السياسة، ومبهجة غالباً في الرياضة رغم أنها تؤلم الفريق المهزوم ومشجعيه وخصوصاً المتعصبين بينهم. وربما لهذا السبب، جمع منظمو "المونديال" في الدور التمهيدي الذي ينتهي يوم 23 يونيو الجاري بين المباراة الصفرية في كل مباراة على حدة، والمباراة غير الصفرية في مجمل هذا الدور عبر نظام المجموعات الثماني، بحيث تظل للفريق المهزوم في المباراة الأولى فرصة الصعود إذا عوض هزيمته في المباراتين التاليتين.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-15-6-2006