مات الشيطان الأكبر

 

د. عبدالحميد الأنصاري

 

عاش حياة كلها آثام وإجرام، كان في صباه، شغباً منحرفاً يرتكب كل الموبقات، وبلطجياً سارقاً، ثم أصبح بعد ارتياده المساجد وصحبته لمشايخ الفكر التكفيري متطرفاً مغالياً. كنَّى نفسه بـ"أبومصعب" تشبهاً بالصحابي الجليل -كذباً- وانتسب إلى "الزرقاء" بالأردن، بلده وخانه بأن أرسل شياطينه يفجرون ويقتلون الفرح في فنادق عمّان وفي تفجيرات العقبة.

إنه "أحمد فضيل نزال الخلايلة" شيخ الذباحين وأمير المجازر الرهيبة وقاطع الرؤوس ومفجر المدارس والمستشفيات والمساجد والأسواق ومحطات الركاب، لم يسلم من بطشه وأذاه أحد، مسلماً أو غير مسلم، شيعياً أو سُنياً، طفلاً أو شيخاً، رجلاً أو امرأة، أبدع في فنون القتل وسفك الدماء كما لم يسبقه أحد من قبل، تميز بأسلوب فريد في إزهاق الأرواح بأن استهدف تفجير البسطاء المطحونين من الناس وهم أغلبية ضحاياه التي وصلت إلى (900) ضحية منذ سقوط صدام في أبريل 2003 وعبر أكثر من (30) عملية إجرامية -الشرق الأوسط 10/6.

كانت استراتيجيته تقوم على استهداف "الشيعة" في المقام الأول ومن منطلق عقائدي تكفيري، واستهداف مساجدهم ومزاراتهم وأماكن تجمعاتهم، وإن لم يسلم السُّنة ومساجدهم من جنونه وعبثه، أيضاً.

قصة الزرقاوي قصة كل إرهابي كما يقول عبدالرحمن الراشد (دخل السجن لصاً وخرج إرهابياً)، لقد كانت آخر هداياه المرعبة للعراقيين (8 رؤوس مقطوعة في صندوق فاكهة على الطريق). كشفت دراسة ميدانية أن عدد الأرامل في العراق في تزايد بسبب العمليات الإرهابية، وهناك أكثر من (2.3) مليون أرملة، وأظهرت الدراسة أن عدد الأرامل يزداد بمعدل (100) أرملة يومياً بسبب تلك العمليات، ولاشك أن للزرقاوي النصيب الأوفى فيها، ولذلك كانت فرحة العراقيين عارمة بنهاية (رأس الشر). كيف لا يفرحون وقد تخلصوا من عدوهم الأكبر؟! كيف لا يعدون يوم مقتله عيداً؟! من حق العراقيين أن يبتهجوا ومن حق العالم أن يشعر بالارتياح.

لقد تخلص العراقيون من طاغيتين، صدام والزرقاوي، لقد كان الزرقاوي كما يقول خليل حيدر: "وحشاً عقائدياً رهيباً مشحوناً بكل انحرافات التطرف الديني وفتاواه الباطلة، لم يكتف بتكفير الشيعة بل رسم سياسة جهادية محورها إفناء الشيعة ونسف دور عباداتهم ومراكز تجمعهم مبتدئاً بالنساء والأطفال والفقراء والبؤساء".. الاتحاد 11/6. ويضيف عادل درويش "الزرقاوي كتجسيد للشر، تطور من مراهق مريض بالإجرام إلى محترف له بتفسير أيديولوجي، وكان متعجلاً في أهداف تصفية من خالف سلفيته التكفيرية". فهو لم يقاتل ضد قوات الجيش الأميركي كحرب عصابات كما يزعم أنصاره، ولكنه لجأ إلى الاغتيال والخطف وتفجير المدنيين ولذلك كانت فرحة العراقيين بمقتله.

العالم الآن منشغل بمعرفة كيف قتل الزرقاوي، والأهم في نظري هو: كيف تكوّن الزرقاوي؟ وكيف أصبح مغناطيساً يجذب الشباب ويجندهم في عملياته؟ وكيف نحصّن مجتمعاتنا من ظهور أمثال الزرقاوي وصدام ومن على شاكلتهما؟

هناك (5) مصادر لها التأثير الأكبر في تكوين الزرقاوي، هي :

1) التنشئة الأولى غير السويّة، والطفولة القاسية -وهذه عامل مشترك في سيرة كل المتطرفين.

2) تأثير الخطب الدينية المحرّضة على الجهاد في المسجد الذي كان يرتاده.

3) تأثير عبدالله عزام والمجاهدين في الجبهة الأفغانية.

4) تأثير شيخه "أبو محمد المقدسي" أحد أبرز منظري الحركة السلفية الجهادية في العالم، والأب الروحي للزرقاوي ورفيقه في السجن لمدة (5) سنوات، وفي أفغانستان، وهو كما يقول مشاري الزايدي: فلسطيني نشأ في الكويت وعشق جهيمان وكفّر السعودية والأنظمه العربية كلها، واحتضن الجيل الأول من إرهابيي السعودية، له كتاب (ملة إبراهيم) يشبه كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب في درجة تأثيره وصياغته لأيديولوجيا (الجهادية السلفية)، لقد تشرّب الزرقاوي على يد هذا الشيخ أيديولوجيا التكفير خلال ملازمته له في السجن.

5) تأثير المعاملة القاسية في السجن وبخاصة السجن الانفرادي، فخرج من السجن ناقماً على المجتمع والدولة والحكومة وأعوانها، باعتبارهم طواغيت يجب محاربتهم -راجع فؤاد حسين، كتابه (الزرقاوي: الجيل الثاني للقاعدة).

ولكن كيف تمكن الزرقاوي من حشد الأنصار في العراق؟ هناك عوامل عديدة ساهمت في نجاحه، منها :

1) الظروف السياسية والاجتماعية التي أعقبت سقوط صدام، ووجود الاحتلال.

2) الفتاوى الدينية الصادرة من مشايخ حتى المعتدلين منهم وهي نوعان: فتاوى حرّضت الشباب للذهاب للعراق، وفتاوى اعتبرت قتال الأميركيين ومن عاونهم من العراقيين وغيرهم واجباً شرعياً.

3) إعلام عربي محرّض، تمثل في فضائيات وصحف تحوّلت إلى أبواق ومنابر للفكر المتطرف سواء باستضافة نجومه أو تبريره.

4) وجود حاضنات للإرهابيين في العراق من بقايا النظام السابق وبعض العشائر السُّنية، ولذلك انكشف الزرقاوي حين تعاونت تلك العشائر مع الحكومة العراقية وكان ذلك السبب الرئيسي في سقوطه.

الآن : كيف نحمي مجتمعاتنا ونحصنها ضد فيروسات التطرف والإرهاب؟ لا أجد خيراً من تفعيل البيان الختامي لـ"قمة مكة" على أرض الواقع. بدءاً بتنقية المناهج الدينية من ثقافة (التكفير والكراهية)، ومروراً بتطوير الخطاب الديني نحو الانفتاح الودي على العالم، وإحكام الرقابة على المساجد لمنع نشر فكر الغلو والتطرف وضبط العمل الخيري وإصدار تشريعات تجرّم فتاوى (التحريض والكراهية والتكفير) وتحاكم فقهاء سفك الدم وتُحمّلهم مسؤولية التغرير بأبنائنا، وانتهاءً بترشيد الخطاب الإعلامي. ولكن الملاحظ أن الدول الخليجية رغم إقرار قادتها لتوصيات قمة مكة وتأكيدهم على مواجهة الفكر المتطرف وإدانتهم للإرهاب بكل صوره وأشكاله (دعماً وتمويلاً وتحريضاً) ورفضهم لكل المبررات والمسوغات المروّجة له، إلا أنه لم يتم تفعيل تلك التوصيات وترجمتها على أرض الواقع، ولذلك يظل المجتمع الخليجي في حالة فقدان المناعة ضد فكر التطرف ما دامت مضامين الخطاب الديني والتعليمي والإعلامي غير منفتحة على العصر، وما دام مشايخ التحريض ممكنين في وسائل الإعلام مسخّرة لأفكارهم وفتاواهم.

وأخيراً سقطة كبيرة لـ"حماس" إذا صح ما نقلته "رويترز" عنها، أنها نعت (البطل المرابط شهيد الأمة)، وحتى بيان النفي فيه ما يؤكده إذ اعتبر الزرقاوي (رمزاً لمقاومة المحتل). كيف يكون رمزاً من قتل (900) عراقي ويعده العراقيون (الشيطان الأكبر) وهو في نظر العالم (الإرهابي الأول)؟! "حماس" الآن تمثل الفلسطينيين وهي ببيانها أو نفيها تعطي المسوّغ لترسيخ الصورة الإرهابية عنها في المجتمع الدولي، لأنه لا يمدح الإرهابي إلا مثله. وأمر مؤسف لذلك الإعلام الذي أقام مأتماً وللنواب الذين تسللوا للعزاء بينما العراقيون في عيد.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-14-6-2006