مقالات و محاضرات

 

سياحة من نوع آخر

 

علي ابراهيم

 

اصبح ما تفعله فئة من الشبـاب العرب والمسلمين، الذين يتوجهون الى اماكن الاضطراب للقتال مثل العراق وافغانستان الى آخر القائــمة، أشبه بسياحـــة المغامـرات التي يقوم بها الشبـاب الاوروبيـون، ولكن مع تنفيـذ مغامـرة من نـوع آخـر قد تنتـهي بمقتل صاحبها او تحـوله الى قنبلــة موقـوتـة قابـلة للانـفجـار في أي وقـت عنـدمــا يعـود الى بلــده.

وقد اشتهرت في الدول العربية في حقبتي الثمانينات والتسعينات قضايا اطلقت عليها تسميـات «العائدون» من افغانستان والبوسنة والشيشـان الى آخر القائمة، وهم مئات من الشبـاب الذين ذهبوا الى هنــاك للقتال بعد ان تم إقنــاعهم بـانـهم يقـومـون بعمل جهـادي، وعنـدما عــادوا الى بلادهـم كـان صعبـا على عـدد منهم التكيـف مع مجتمعاتهم فسعـوا الى نقـل المعركــة اليها واعتبـروا مجتمعهـم او دولتـهم هي العـدو ولجـأوا الى اساليـب عنيـفة من تفجيـرات واعمـال عنـف دفعــت ثمنـها غـاليــا هـذه البــلدان من استقرارهـا واقتصادهــا وازدهـارهــا.

وفي كل مرة كانت المســألة تحتاج الى سنوات من المواجهة والاستيـعاب لكســر حــدة كل موجـة من العائدين من هذه الفئة، وتقليــل الخطر على المجتمع، كما كان من السهــل رصـد هؤلاء العائـدين لانهم كانـوا يتوجهون الى بلـدان بعيــدة جغرافيـا عن المنطقـة.

ولكن الان، ومع الموجة الجديـدة من «سيـاح المغـامرات» في العراق او ما يسمى بـ«الجهاديين» العائديـن من هناك، تبدو الصورة اكثر صعوبة، والعنف المتوقع من هؤلاء اشد خطورة ودمويـة مما فعلتـه الموجات السـابقة من العائديـن من جهــات اخرى.

والمشكلة الان اكثر تعقيدا لعدة اسباب، اولها القرب الجغرافي للعراق، فهو في قلب المـنطقة ولا يزال العنف مشتعلا، وهناك مئات او حتى آلاف ذهبوا الى هنـاك وعدد منهم يقدر بالمئات عاد الى بلدانه بخبرات تفجيرات وذبح وقتل الى بلده. وعلى عكس الموجات السابقة التي واجه العائدون فيها رفضا من المجتمع لافكارهم، فان العائدين من العراق لديهم طابور محلي يبرر افكارهم ويروج لها ويود تحويل كل مجتمعات المنطقة الى نماذج طالبانية او زرقاوية، والأزمة السياسية الناشبة في الاردن الآن مع النواب الذين اعتبروا الزرقاوي بطلاً دليلٌ شاهد على الحالة.

وهذا الطابور الداخلي هو الذي يخلق الاساس الفكري لتنشيط سياحة القتال والسفر الى ساحات معارك مثل العراق وافغانستان بينما تسهم الحكومات من جانبها في الظاهرة بتجاهل ظاهــرة سفر الشباب ودفن رؤوسهــا في الرمال على امـل ان تـمر العاصفة بسلام في حين انها لو واجهت الظــاهـرة من بدايتها ستتجنب مشاكل التعامل مع هؤلاء عندما يعودون متدربين على حرب العصابـات والتفخيخ والتفجير.

وهنـاك الكثير مما يجب فعله من اجل توجيـه طاقة الشباب الى اشياء مفيدة ومحاربة الذين ينظمـون سفرهم الى منــاطق القتال، ولكن اهمهــا، واكثرهــا صعوبة، إيجــاد فرص عمل لهم، وترسيخ افكار ان المستقبل يكمن في العمل والابتكار والحيــاة، وليس في الانتحار.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-13-6-2006