مقالات و محاضرات

 

 

من يعزينا في هؤلاء النواب الأردنيين؟

 

مشاري الذايذي

 

أربعة نواب إسلاميين من كتلة الإخوان المسلمين في البرلمان الأردني، فقأوا الدمل، وكشفوا الغطاء، و«جابوها من الآخر»!.

النواب: محمد أبو فارس، وعلي ابو السكر، وإبراهيم المشوخي، وجعفر الحوراني، تقاطروا على منزل أهل ابي مصعب الزرقاوي في محافظة الزرقاء، معزين، وخطب فيهم ابو فارس، دكتور الشريعة، واصفا الزرقاوي بالشهيد، رافضا وصف شهداء تفجيرات الفنادق بعمان التي نفذتها جماعة الزرقاوي، بالشهداء.

هذه الزيارة والتمجيد للزرقاوي، فجرا غضبا رسميا وشعبيا، وصدر أمر باعتقال الاربعة، طبعا النواب المعزون بالزرقاوي اتهموا «الأعداء» بالتصيد، (لا أدري هل أهالي ضحايا تفجيرات الفنادق من هؤلاء الأعداء؟!).

و وجدت قيادة جبهة العمل الإسلامي نفسها في موقف حرج (أو هكذا نفترض)، وكذلك الجماعة الأم، جماعة الإخوان المسلمين، للدرجة التي وصلت فيها الإجابات والتبريرات إلى درجة لا تقنع حتى مناضلي الحناجر الفضائية!، مثلا: مراقب عام جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، سالم الفلاحات، قال في تصريحات نشرها الموقع الإلكتروني للجماعة أمس ان: «ما نسب إلى أبو فارس من حديث فهذا أمر يخصه، وإذا كان الحديث عن الشهادة والشهداء، وهل قتلى الفنادق شهداء أم غير شهداء، وهل الزرقاوي شهيد أو غير شهيد، فهذه مسائل شرعية فيها تفصيل وفيها آراء كثيرة مختلفة».

هكذا! وكأننا نجري نقاشا في جلسة فقهية متخصصة، حول أحكام الشهادة في الاسلام، وفروعها الفقيهة، ولسنا إزاء موقف سياسي خطير، عبّر عنه نائب الجماعة ابو فارس، ورفاقه، في تزكية الزرقاوي، من خلال وصفه بالشهادة، وسلب هذه الصفة عن الضحايا الأردنيين الذين سقطوا في تفجيرات الفنادق (9/ نوفمبر /2005)، وكان عدد الضحايا بالعشرات.

والأكثر إضحاكا، أو قل مسخرة، كلام النائب علي أبو السكر، الذي لم يكن في بيته أثناء عمليات القبض، ان هذه الزيارة تأتي: «من منطلق أخلاقي»، وأنه لن يتوقف عن مثل هذه التصرفات، ولن ينثني أمام «الارهاب الفكري والأمني والاجتماعي الممارس الآن لثني المواطن عن القيام بواجبه الاجتماعي والديني». الا اذا كان الهدف ـ بحسب ابو السكر ـ تجريم عشيرة المتوفي، وهي عائلة كبيرة في الأردن! حسبما نشرت صحيفة «الانباط» الاردنية اليومية في عددها امس.

يا أبا السكر، أي منطلق أخلاقي هذا الذي يجيز لك أيها النائب أن تعزي بالزرقاوي، وتسكت إزاء وصف زميلك أبو فارس له بالشهيد؟ والكلام عن أنها زيارة عزاء «تقليدية»، كلام «بلا طعم»، وتبرير بارد، هذه الزيارة من «ساسها لراسها»، ومن هامتها إلى أخمص قدميها، مسيسة، ومعبأة بالرسائل السياسية، هي تعبير عن فكر، وتسجيل لموقف.

هل نقول كما يقول بعض أصحاب نظريات المؤامرة، إن حركة الإخوان في الأردن وفلسطين تريد تسجيل موقفين، وعدم خسارة ساحتين، فتبعث برسائل لشارعها «المتطرف» منه، بأنها ما زالت على الطريق ولم تلق البندقية، ولم تخذل «المجاهدين»، في نفس الوقت تبعث رسالة أخرى للعالم والرأي العام، المحلي منه والإقليمي والدولي، بأنها ليست جماعة إرهابية، ولا أمية في ممارسات المسؤلويات السياسية وإدارة الدولة، وان «حماس» من اجل هذا «التوازن» والاحتفاظ برجل هنا ورجل هناك، أصدرت بيانا ترثي فيه «المجاهد» أبي مصعب الزرقاوي، ثم بيانا آخر من محمود الزهار، القيادي الحمساوي، ينفي فيه صحة البيان، وفي الأردن، يقوم أربعة نواب من الاخوان بزيارة عزاء للزرقاوي وتمجيده، ثم يخرج نائب امين عام حزب جبهة العمل الإسلامي (ذراع الاخوان السياسية) «ارحيل الغرايبة»، مؤكدا أن الزيارة تمت بدون علم الجبهة، كما أن الجبهة لم توفد أحدا من أعضائها وكوادرها لبيت عزاء الزرقاوي، والنواب الذين قاموا بزيارة بيت العزاء اقدموا على ذلك بصفة شخصية ويتحملون مسؤولية افعالهم تلك.

الحق أنه لم يعد المرء قادرا على تمييز الموقف الشخصي الخاص من التكتيك السياسي للجماعة، ولكن بكل الأحوال، فإن النتيجة واحدة، وهي أن هذا «التراخي» في اتخاذ موقف صلب وواضح من الارهاب، يحول الاخوان المسلمين في الاردن، او في غير الاردن، إلى خانة «الساكت عن الحق شيطان أخرس»، لأن حيل التذاكي الصغيرة، مهما بقيت، فإن مصيرها الانكشاف.

المسألة أكبر من هذه الألاعيب، و«رجل هنا ورجل هناك» خصوصا في الساحة الأردنية التي كان رئيس تحرير جريدة «العرب اليوم»، طاهر العدوان، محقا حين قال عنها أمس في مقاله، إنه يجب الانتباه في الأردن، لأن الانطباع السائد لدى المراقبين والزائرين للبلد هو انه محكوم بمزاج من التطرف، للدرجة التي تجعل إدانة الإرهاب الذي تقوم به جماعات الزرقاوي في الاردن نفسها محل تهمة بالأمركة ! تصوروا، الزرقاوي يعترف، وبكل قبح، بمسؤوليته عن خلية «الجيوسي» التي كانت ستقوم بعملية هجوم مزودج، كيميائي وتقليدي، على العاصمة عمان، ثم يتبنى الزرقاوي أيضا الهجمات على حفلات الاعراس في الفنادق، وإذا هاجمت هذا الزرقاوي او قلت انه «ارهابي»، اتهمت بالعمالة لامريكا من قبل الماكينة الاخوانية، أو القومجية أيضا.

يقول طاهر العدوان في مقاله امس: «هناك سيف من الإرهاب الفكري مسلط على الناس والصحافة يقوم على معادلة: انك إذا انتقدت الإرهابيين إنما تكون في صف المحتلين الأمريكيين».

إن المشكلة أيها السادة، ودعونا نتصارح، تتجاوز الأردن، إلى المزاج العربي، إن بيننا من ينطوي على الإيمان بالزرقاوي، وان المشروع الأصولي هو المشروع الصحيح والنهائي، أما بخصوص بعض الاستنكارات أو حالات السخط على أمثال الزرقاوي وبن لادن، فهي استنكارات عابرة ومؤقتة، ومشروطة بحصول ضرر مباشر من قبل هذه الجماعات على مصالح الناس المباشرة، وليس بسبب رفض أصيل وعميق، لبنية وتوجه الخطاب الذي يحكم أمثال جماعات القاعدة أو جماعة الزرقاوي، وأقول، لو أن الزرقاوي لم يقم بالهجمات الإرهابية على الاردن، لقام له «عرس» تأبين في الأردن في الشارع، ولكن هجماته على بلده قللت من شعبيته، وهنا المعضلة، فسبب إدانته، كما قرأت في تداعيات زيارة النواب الاربعة، هو أن الزرقاوي هاجم الأردن، أي انه لو حصر إرهابه بالعراق، لأصبح بطلا لدى الأغلبية، نحن أمام أزمة عميقة تضرب أعماق الوجدان والضمير.

أعرف أن هذا الكلام، كما قال العدوان، قد يصنف بوصفه «أمركة»، هذه التهمة الغامضة والمضحكة، وكأن الوطنية أو الهوية الإسلامية هي أن نفرح بمن يقتلنا أو يرجعنا إلى مراعي التخلف والتعصب، كما هو خطاب الزرقاوي وبن لادن، والحلقات الداعمة اللامرئية من خلفه؟!

مقتل الزرقاوي، الذي يمثل النقطة القصوى في التطرف والهمجية، فضح رائحة لم تكن لتظهر لولا هذا الحدث، تصوروا أن هناك من يصفه بالبطل والشهيد؟! ومن قبله وصف بن لادن بأمير المجاهدين، بل وهناك من «يذبح» له أضحية في كل عيد أضحى، وهو شخص، أعني المضحي، يعتبر بمعايير الأصولية، شخصا عاصيا غير ملتزم بالواجبات الدينية!

قتل الزرقاوي، ولكن من يضمن لنا أن لا يعود من جديد، ويخضر غصنه المقصوص؟!

اقول لكم إن الزرقاوي سيعود، لا بسبب وجود أمريكا بالعراق، ولا بسبب مأساة الشعب الفلسطيني، بل بسبب استعصاء الثقافة المفروزة للتعصب والتخندق الطائفي على الاختراق النقدي، هذه الثقافة أصلب وأقدم، من هذه الأحداث السياسية، مهما كان موقفنا منها.

هناك من يحيل وجود مزاج التطرف والتعاطف مع القاعدة او الزرقاوي حتى، الى السياسة الامريكية، او الى مشكلة فلسطين المحزنة، او الى استبداد الحكومات العربية... ونسأل: هل تأييد الزرقاوي، او « الميوعة» في محاربة الارهاب الديني هو الحل لهذه المشكلات؟!

أخشى، أن مشكلتنا ليست في الإرهاب الديني فقط، بل في مقاومة أي مسعى تحديثي وتنويري، والمرابطة على ثغور التعصب والتطرف، انتظارا للحظة القطاف الأصولي الكبير، ولكن أكثر أهلنا، الغاضبين، لا يعرفون..

mshari@asharqalawsat.com

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-13-6-2006