مقالات و محاضرات

 

 

الكفاح السياسي أكثر جدوى ونبلا

 

غسان الإمام

 

موت الآيديولوجيا وهم كبير. الفرق بين الانسان والحيوان أن الثاني يعيش مستريحا من زخم الأفكار والمبادئ والعقائد والآيديولوجيات التي تراود الانسان.

اتجه الفكر السياسي بعد نهاية الحرب الباردة وفشل الآيديولوجيا الماركسية، الى الظن بأن عصر الآيديولوجيات قد انتهى. خرج فرانسيس فوكوياما منظر وزارة الخارجية الأميركية آنذاك، ليعلن موت التاريخ والآيديولوجيا بالانتصار النهائي للرأسمالية الديمقراطية.

بعد خمسة عشر عاما من انهيار الاتحاد السوفياتي، يجد العالم نفسه منهمكا في حرب آيديولوجية. اليمين الأميركي المحافظ المشبع بالأصولية المسيحية أعلن الحرب، بقيادة الفارس المؤمن جورج بوش، على الإسلام «الجهادي» تحت شعار مكافحة الإرهاب، بعد عملية 11 سبتمبر.

الخطر الكبير على العالم والناس أن تتحول العقائد والأديان والأفكار الى آيديولوجيات شعبوية تنطوي على استخدام القوة والعنف والإرهاب، لفرض رؤية سياسية أو نظرية آيديولوجية بالإكراه، كنظام اجتماعي أو سياسي مغلق وشمولي. من هنا يتشكل خطر فلاسفة الثورة والعنف الدموي، عندما يعتنق قطاع من الناس والمجتمع رؤاهم، ويحاول فرضها على مجتمعاته.

كانت ثورات الآيديولوجيات الدموية في الماضي متاحة وسهلة. السبب الهوة الاقتصادية السحيقة بين آيديولوجيات النظام المستغل والطبقة المسيطرة، وبين الطبقات والفئات المحكومة والمستعمرة الغاضبة. تمكن لينين وستالين وماو من تطبيق أفكار ماركس بالثورة الدموية. احتاجت روسيا وأوروبا الشرقية والعالم الثالث إلى سبعين عاما للاقتناع بفشل التجربة الماركسية التي سُفكت فيها دماء عشرات الملايين من الناس. وقبل ذلك، احتاج العالم الى عشرين سنة وحرب عالمية ودماء ستين مليون انسان، لإثبات فشل الآيديولوجيا الفاشية.

من حسن حظ الشعوب المستعمرة، بما فيها الأمة العربية، أن ثورات المقاومة الدموية التي قامت بها نجحت نجاحا باهرا في تحقيق الاستقلال. غلبت التقينات البشرية الثورية البسيطة تقنية السلاح الاستعماري، وأجبرت الاستعمار على الانسحاب. غير أن تقنية الأمن والسلاح ما لبثت أن شهدت تطورا إلكترونيا ومعلوماتيا هائلا في النصف الثاني من القرن العشرين، بحيث باتت الثورة الدموية أو المقاومة والمعارضة المسلحة صعبة أو مستحيلة النجاح في المواجهة مع النظام الوطني، أو مع النظام الاستعماري في الجيوب الاستعمارية القليلة الباقية في العالم، بما فيها الأرض العربية المحتلة.

كيف تعاملت المقاومة أو المعارضة مع تقنية الأمن المتفوقة، بعد فشلها في اسقاط الانظمة أو تحقيق الاستقلال بالثورات الدموية؟

كان استخدام العقل سبيلا منطقيا الى العثور على بديل للثورة الدموية. لجأت المقاومة والمعارضة الى الكفاح السياسي في مواجهة الأنظمة الحاكمة، بل وحتى في مقاومة الأنظمة الاستعمارية. أسجل هنا ملاحظتين لصالح الكفاح السياسي، فأقول إن الافتراق الأليم منذ نهاية القرن التاسع عشر بين الاشتراكية الديمقراطية والاشتراكية الماركسية، مكن الأولى من تحقيق مكاسب اجتماعية ضخمة لصالح الطبقتين العاملة والوسطى.

هذه المكاسب تحققت بالكفاح السياسي السلمي، من خلال هيئات المجتمع المدني: المؤسسة التشريعية المنتخبة ديمقراطيا. الاتحادات النقابية. السلطة القضائية المستقلة. اللجوء الى الوسائل السلمية للتعبير والاحتجاج، كالصحافة والتظاهر والاضراب، وصولا الى الاعتصام أو العصيان المدني.

الملاحظة الثانية لصالح الكفاح السياسي هي أن كل الثورات المسلحة ضد الاستعمار وضعت نهاية له، من خلال اتفاقات سياسية تفاوضية معه. بعضها كان جائرا بحق الشهداء، بل ماساً بالاستقلال التام. غير أن واقع العلاقات الدولية ألقى بالبنود المشروطة على الاستقلال في سلة مهملات التاريخ. هكذا، كان استقلال مصر عبد الناصر، وجزائر بومدين وابن بله، وهند غاندي ونهرو، وتونس بورقيبة، وليبيا السنوسي.

بات الاصلاح وليس الثورة شعارا للتغيير. وهكذا ايضا، نجح الكفاح السياسي للمعارضة السلمية في الاتجاه الباهر بأميركا اللاتينية الى الديمقراطية، بل والى الوقوف في وجه الابتزاز الرأسمالي الذي تمارسه الولايات المتحدة هناك. تم ذلك من دون حاجة الى الثورية الرومانسية عند تشي غيفارا وكاسترو. ومع المسيرة الديمقراطية السلمية، تحقق الازدهار الاقتصادي والتقني للشعوب الصفراء في شرق آسيا، من دون حاجة الى ثورية ماو. وكيم.

هل بات الكفاح السياسي شعارا وسبيلا للمعارضة وللمقاومة في العالم العربي؟

تقنية الأمن والردع اسقطت الآيديولوجيا الماركسية والقومية. ثمة مؤشرات الى تبني المعارضة والمقاومة الكفاح السياسي نهجا للاصلاح والتغيير في مصر و المغرب العربي. لكن لا يشوه هذه البوادر سوى تشرذم المعارضة. وانحدار بيانها السياسي الى السوقية المبتذلة.

المؤسف والمثير للقلق والخوف على المستقبل العربي، أن الكفاح السياسي السلمي لا ينسحب على مسيرة المعارضة والمقاومة الاصولية التقليدية التكفيرية. اعتمدت الآيديولوجيا «الجهادية» الثورة وأسقطت السياسة. اغتالت المنظمة الجهادية السادات. في لحظة الفوضى وفراغ السلطة، لم تتمكن من الاستيلاء على الحكم، لأنها لا تملك الأُطُر القيادية والبرنامج السياسي وآلية الوصول.

ابتكرت الآيديولوجيا التكفيرية العنف الجماعي بديلا للعنف الفردي. اعتمدت القتل البربري الوحشي بالجملة للمؤمنين ولـ «الكفار» من خلال بدائل أربعة للسياسة: تفجير التناقضات الاجتماعية. إحياء الذاكرة المذهبية التقسيمية. استدعاء الغرب لتدمير «ديار الإسلام»، وتصدير الإرهاب الأعمى إلى دياره.

الزرقاوي في العراق، وقبله ابن لادن والملا عمر والظواهري في أفغانستان.. هم صورة للتخلف الثقافي والسياسي في التفسير الديني لمفهوم الجهاد في الإسلام. الزرقاوي تجسيد لخطر جيل عريض من أشباه المتعلمين وأشباه الأميين. هذا الجيل خضع لوابل منهمر من إعلام التلقين والتربية الدينية المنغلقة، فباتوا يفتون في ما لا يعلمون. نهاية الزرقاوي مصير محتم للآيديولوجيا الدموية التي لا تتكيف مع العصر المتغير، عصر تفوق التنسيق الأمني والدولي، عصر تقدم المراقبة الإلكترونية والمعلوماتية.

الكفاح السياسي هو الوسيلة الأكثر جدوى ونبلا للمعارضة وللمقاومة وللتغيير والإصلاح. عولم الكفاح السياسي قضية الحرية. بات مبدأ التدخل الدولي يسبق مبدأ السيادة الوطنية. العالم بهيئاته ونظمه وأحزابه وثقافة حقوق الانسان، يدعم وينتصر للمعارضات وللمقاومات السلمية والسياسية، عندما تتعرض للقمع والاعتقال في الداخل، بقدر ما يعارض ويحتج على أصولية بوش المعتدية بقوة السلاح على بلد مستقل.

«الحماسية الإخوانية» ظنت واهمة انها تلقت تفويضا انتخابيا بالحكم، لأنها حملت السلاح وأسقطت السياسة. ها هي اليوم ترفض الاستفتاء الشعبي الديمقراطي على مبدأ الحل السياسي التفاوضي، لأنها أدركت أن المجتمع الفلسطيني سوف يصوت له بأغلبية كبيرة.

بعض العرب يظن الكفاح السياسي فلسفة للانهزامية في عصر القوة والعنف. كان العرب نبلاء عندما حملوا الإسلام الى العالم سلماً أكثر مما حملوه حربا. من نصيحة الصديق أبي بكر الى جيش أسامة بن زيد: «..ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرة مثمرة.. وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم بالصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له».

يا لخجلة العرب من العرب! فتكت بربرية «المجاهد» الزرقاوي بحرب العراق سنة وشيعة، أطفالا وشيوخا ونساء. هناك «زرقاوي» آخر محاصر عالمياً شنت أصوليته حربا ظالمة ذهب ضحيتها عشرات الألوف وربما مئات الألوف، بحجة مكافحة إرهاب يقتل في السنة بضع مئات!

من يضع حدَّا لتقنية إرهاب آخر؟ السيارة، الوحش البربري الآخر الذي يركض على أربع يغتال 1.2 مليون انسان كل سنة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-13-6-2006