رئيس الوزراء يطرح أسبقياته

 

نلسون هيرناندز

 

على هامش مقال كتبه المالكي في الواشنطن بوست

ما إن هدأ يوم الجمعة غبار الأنباء التي تحدثت عن مصرع أعتى قادة الإرهاب في العراق ، وأعلن عن اكتمال تشكيل الحكومة الجديدة أخيراً ، حتى انبرى رئيس الوزراء نوري المالكي ليرسم ملامح خطته التي سيجابه بها المشاكل الأعمق في البلد وعلى رأسها العنف المستشري والركود الاقتصادي والفساد الشرس .

ففي مقالة نشرتها صحيفة واشنطن بوست وصحف أخرى يوم الجمعة الماضي قال المالكي ان فترة حكومته التي ستمتد لأربع سنوات سوف تركز جهودها على تقوية أجهزة الأمن العراقية ونزع أسلحة الميليشيات وإعادة إعمار البنية التحتية في المناطق الأوفر أمناً من البلد والبدء بالمصالحة الوطنية من أجل وضع نهاية للقتال بين الجماعات العرقية والطائفية في العراق . ولكن في الوقت الذي يؤمل فيه أن يؤدي مقتل الزعيم الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي ، فضلاً عن اختيار ثلاثة وزراء أمن مهمين يوم الخميس ، إلى تدعيم ركائز حكومة المالكي يبقى المساعدون المقربون والحلفاء والمحللون يحذرون من أن أجندته قد تجد نفسها تخوض في وحل الصراعات السياسية.

يقول غريغوري غاوس ، وهو خبير في الشرق الأوسط من جامعة فيرمونت ، في رسالة بعث بها بالبريد الألكتروني : " ربما تكون الظروف قد جاءت في صالحه ولكن يبدو لي أن التشرذم الذي جعل تشكيل الحكومة على كل تلك الدرجة من الصعوبة ، ومن بعدها العثور على من يشغل مناصب الأمن ، لم ينته بعد . لقد غمرتني مثل غيري موجة لطيفة من التفاؤل في أعقاب القضاء على الزرقاوي ، ولكني أخشى أن المالكي يحتاج إلى قدر عظيم من الدعم السياسي لكي يتمكن من تحقيق أجندته الطموحة . " الجزء المحوري في أجندة المالكي يتجسد في التعامل مع الأزمة الأمنية ، حيث قطع المالكي عهداً بأن يتصدى بقوة ودون هوادة للمنظمات الإرهابية المسلحة ، وخصوصاً في مدينة بغداد . إلا أن الشطر الآخر من خطته يملي عليه السعي لضم الميليشيات ضماً سلمياً إلى قوات الجيش والشرطة.

يوم الجمعة كتب المالكي يقول : " من الضروري أن نعيد فرض احتكار الدولة للسلاح من خلال وضع نهاية للميليشيات . وهذا المسعى لن يكون شبيهاً بالمساعي التي سبقته لأننا سنطبقه بطريقة تكفل أن يعرَّف أفراد الميليشيا أولاً ومن ثم يجري نشرهم لتجنب تركز أية مجموعة منهم في قسم واحد أو وحدة واحدة . ومن بعد ذلك يبقون خاضعين للمراقبة والمتابعة لكي نضمن أن يبقى ولاؤهم للدولة دون غيرها. "

يقول عدنان علي الكاظمي ، وهو أحد مساعدي المالكي : ان رئيس الوزراء سوف يبدأ أولاً بتصنيف الميليشيات حسب تأريخها في التعاون مع الحكومة وحسب ما إذا كان تشكيلها قد تم داخل العراق أم خارجه . كذلك يقول الكاظمي :ان الحكومة تدرس مسألة دفع رواتب تقاعدية لبعض أعضاء الميليشيات الأكبر سناً . وهو يتنبأ بأن ضم منظمة بدر ، التي لها زيها الخاص وتمتلك نسقاً عسكرياً في هيكلية رتبها ، والتي تحتفظ بسجلات للأعضاء المنضوين تحت لوائها ، سيكون أسهل من ضم جيش المهدي الأضعف تنظيماً . ويضيف الكاظمي أنه سيكون من المحال ضم جميع أعضاء الميليشيات ضمن استراتيجية الأمن الوطني ، وأن اللجوء إلى القوة لحل بعض الجماعات المسلحة قد يكون الخيار الأخير . ويمضي الكاظمي قائلاً : " بوسعك أن تلمس دائماً أن هناك تغلغلاً من تلك الميليشيات هنا وهناك ، ولا يخلو الأمر من شيء من الفساد أيضاً . تجد هذا في العديد من المؤسسات والوزارات . ونحن نريد أن تتولى الحكومة وحدها مسؤولية الأمن ولا أحد غيرها . نحن نريد ضم الجميع ونزع سلاح الجميع . " إلا أن كاميران قرداغي ، المتحدث باسم الرئيس العراقي جلال الطالباني ، يشير إلى أن أصعب ما في عملية التخلص من الميليشيات هو كون أقوى الأحزاب في الحكومة هي التي تسيطر على أقوى الميليشيات ومن ثم سيكون من الصعب إيجاد حوافز مناسبة تغريهم بالتخلي عن ميليشياتهم .  ويستطرد قرداغي من خلال مقابلة هاتفية أجريت معه قائلاً : " تلك الجماعات جزء من بنية الحكومة لذلك من المحتمل أن يجلسوا معاً ويتباحثوا في الأمر إلى أن يخرجوا بحل . ذلك لن يكون سهلاً ، ولكنهم لا يمكنهم الاستمرار على هذا الوضع حيث هنالك جيش عراقي وشرطة عراقية وقوات أمن عراقية وفوق هذا كله ميليشيات . "

ولكن رغم هذا يدافع الرئيس الطالباني نفسه مراراً عن حق أبناء قوميته من الأكراد في أن تكون لهم ميليشياهم المعروفة بإسم البيشمركة والتي ظهرت إلى الوجود قبل إسقاط القوات الأميركية لنظام صدام في عام 2003 ، وسوف تبقى هذه الميليشيا على قيد الوجود كما يقول قرداغي الذي يضيف : " هنالك في كل مكان من العراق هذا النوع من ازدواج الهوية . وثمة بين الأكراد من يعتبرون الهوية الكردية هويتهم الأولى ثم تليها الهوية العراقية . وسوف يمضي وقت طويل قبل أن تتغير الولاءات . "  وقد حاول المالكي أن يهدئ من حدة التخاصم الطائفي بأن أعطى نصيباً من السلطة للجماعات العرقية والطائفية الأقوى نفوذاً في العراق . لهذا كان وزير الداخلية الجديد هو جواد البولاني ، وهو من الشيعة ، في حين كان وزير الدفاع هو عبد القادر محمد جاسم ، وهو من السنة . ويحذر الكاظمي أيضاً من أن السيطرة على الفساد داخل الحكومة نفسها سيكون أمراً عسيراً ، ولكن المالكي قطع عهداً بمقارعة الفساد عن طريق شد أزر الهيئة العامة للنزاهة ، وهي الجماعة التي تتولى التحقيق في قضايا الفساد ، وكذلك عبر تقليص الدعم الحكومي . 

ويستدرك الكاظمي فيشير إلى أن ادعاءات المحققين في قضايا الفساد كانت نادراً ما تصل إلى قاعات المحاكم ، وحتى حين كانت تصل فإن قرارات الحكم التي يصدرها القضاة لا تنفذ خشية من العواقب . يقول الكاظمي : " إنه مرض عضال ، والعثور على علاج له سوف يستغرق بعض الوقت . "

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح نقلاً عن صحيفة واشنطن بوست-12-6-2006