مناحات الزرقاوي

 

عبدالله بن بجاد العتيبي

 

لم يكد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي يعلن عن مقتل أحمد فضيل نزّال الخلايلة المشهور بأبي مصعب الزرقاوي قائد تنظيم "القاعدة" في العراق حتى كان العالم على موعد مع لحظة تاريخية رميت فيها الأقنعة وانكشف المستور.

كان الزرقاوي مجرماً بكل المقاييس الدينية والدنيوية الإلهية والبشرية، كل شرائع السماء وقوانين الأرض تجرّم أفعال الزرقاوي وتجرؤه على دماء المسلمين والأبرياء واستهدافه للمساجد ومواقع العبادة وحفلات الأعراس وطوابير الباحثين عن لقمة العيش ومقرات الإغاثة وغيرها من الأهداف التي كان يضعها نصب عينيه ويركّز باتجاهها عملياته وتفجيراته ونيرانه المستعرة حقداً وشراهة للدماء المصونة، وكان البعض يتحدث أن بعض جماعات الإسلام السياسي تتعاطف مع الزرقاوي وأن أجندتها تلتقي بأجندته وأجندة "القاعدة" عموماً، وكان بعض الباحثين يسعى لإثبات هذه العلاقة على مستوى الأصول العقائدية المشتركة والخطاب العام المتوافق وعلى مستوى المواقف من الواقع ومستجداته، وكان البعض الآخر يشكك في الأمر ويزعم أن هكذا تحليلات ليست تحليلات علمية ولا موضوعية وأنها تجمع بين المتفرقات ولا تراعي الفروق الجوهرية بين التيارين، ويأبى الله ويأبى بعض رموز الإسلام السياسي وبعض أفراده إلا أن يظهر التوافق عياناً بياناً، جهاراً نهاراً، دون خجل ولا حياء ودون خوف لا من الله ولا من خلقه.

لم يكد نوري المالكي يرمي قنبلته السارّة حتى أقيمت سرادقات العزاء بداية من أرض الواقع في عمّان وتصريحات النائب الأردني الإخواني "الصقر" محمد أبو فارس مروراً بقناة "الجزيرة" واتصالاتها وليس انتهاء بمنتديات الإنترنت وأشباحها مدمني التكفير الذين يلبسون لكل حالة لبوسها. لكن هذه "الفاجعة" بالنسبة لهم أخرجت البعض منهم عن طوره فكتب باسمه الصريح يندب قائداً فذّاً ومجاهداً بطلاً كما يسميه، لكن البعض الآخر ملك الجبن عليه لبّه فأوثق لسانه وقلمه بوثاق غليظ، فهو من جهة يخشى الملاحقة الأمنية جرّاء تأييده ورثائه لمجرم أعلن مراراً ونفّذ وخطط لتدبير التفجيرات في أكثر من بلد عربي، والخوف من جهة أخرى من أتباع الزرقاوي ومناصريه أن تكون عباراته –إن كتب- متحفظة ولا تمنح الزرقاوي "حقه" من التبجيل الذي يستحق من وجهة نظرهم فكان الصمت المطبق خيار الجبناء المتناقضين.

قبل ما يزيد على العام كتبت في هذا المكان أقول إن (الزرقاوي بكل بساطة "مجرم محترف" ومدمن قتال عنيد، والعراق وحرية العراق واستقلال العراق لا تعنيه من قريب ولا بعيد، وهدفه الأسمى إقامة نظام كنظام طالبان في العراق والانطلاق من العراق لكافة بلدان العالم الإسلامي، ولذلك فهو يقتل الشيعة ويغتال مرجعياتهم وأفرادهم العاديين في تفجيرات انتحارية، ويستهدف الأمم المتحدة ومقرات الإغاثة الدولية وغيرها من الأهداف التي تقف القوات الأميركية في ذيلها وإن كان يستخدمها كمبرر أول لعملياته)، ولا أرى الأيام زادت هذا الكلام إلا صحة مع انحرافات زادت على الخيال وجرائم فاقت التصوّر.

أليس الزرقاوي هو راعي محاولة التفجيرات الكيماوية في العاصمة الأردنية عمّان والتي كانت ستحصد عشرات الآلاف من المسلمين الأبرياء!، أليس الزرقاوي هو حامل لواء "الجهاد الطائفي" بعد مرحلة عولمة الجهاد!، أليس الزرقاوي هو الذي سعى جاهداً لينشر الدمار والخراب في البلدان العربية الآمنة في جوار العراق! وقصته مع الأردن مشهورة من محاولة التفجير الكيماوي إلى تفجيرات المسلمين الآمنين الأبرياء في أعراسهم، وقصته مع السعودية مشهورة أيضاً وتصريحاته المعادية لها ورسائل الغزل المتبادلة مع إرهابيي السعودية وسعيه الميداني لدعمهم بشتى أنواع الدعم، ثم أليس الزرقاوي هو القاتل الأكبر للمواطنين العراقيين الأبرياء؟!، وضحاياه من العراقيين أكثر عشرات المرّات من ضحاياه من القوات الأميركية.

إذا كان الزرقاوي هو ذلك كله وأكثر فبأي حديث بعد جرائمه هذه يتعظ النائحون المستأجرون على أشلائه؟ وكيف يعقل أن يقوم ثلاثة من النوّاب الأردنيين المنتمين لـ"جبهة العمل الإسلامي" الذراع السياسي لجماعة "الإخوان المسلمين" في الأردن بزيارة أهله لتقديم التعازي في مجرم كان استهداف الأردن وأمنه ومواطنيه على رأس أولوياته؟ ودماء ضحاياه الأبرياء في أعراس الأردن لم تجف بعد، ثم يصرّح أحدهم وهو أبو فارس بأن الزرقاوي شهيد، ويستهجن ويشتم من يصف ضحايا جرائم الزرقاوي في الأعراس بأنهم شهداء، ولا أجد عبارة هنا أبلغ من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".

لقد كان اغتيال أبو مصعب الزرقاوي حدثاً إقليمياً وعالمياً بكل المقاييس، حدث له ما قبله وما بعده، له ما قبله لأن جرائمه لم تزل ساخنة، وقلوب المكلومين منه في بيوتات العراق والأردن لم تبرد بعد، وله ما بعده لأن ما سيحدث في المستقبل القريب سيثبت أن هذا الرجل الذي قتلته القوات الأميركية بالتعاون مع القوات العراقية كان أعتى المجرمين السفّاحين في العراق، مع التأكيد على أن العلميات الإرهابية لن تتوقف وأن قطع رأس حية الإرهاب لا يعني موت أبنائها.

الزرقاوي كان قائداً لأشنع وأفظع عمليات القتل والذبح والنحر المصورة بأشرطة فيديو توزع على الإنترنت فتثير كثيراً من الاشمئزاز وقليلاً من الخوف، جرائم فظيعة أجبرت حتى قيادات القاعدة كالظواهري أن تنصحه بأن يبتعد عنها وأن يلغيها من حساباته.

كان الزرقاوي شاباً "أزعر" نشأ في حي بائس من أحياء مدينة الزرقاء الأردنية وكان كما يصفه النائب الأردني محمود الخرابشة سكّيراً عربيداً، ولكن هذا السكير العربيد لم تعد تكفه سكرة الخمور ولم توصله لنشوته فاختار بدلاً عنها سبيلاً آخر هو سبيل السكر بالدماء والأشلاء والسكر بنياشين الزعامة بين جنود الإرهاب وغوغائه.

أحمد فضيل نزال الخلالية لم يكن شخصاً عادياً في زعرنته ولم يكن شخصاً عادياً في قواعد تدريبه التي أنشأها في هيرات غرب أفغانستان ولم يكن شخصاً عادياً حين نقل جماعته ومقر قيادته إلى العراق، لقد كان يسعى لهدف واضح هو إقامة الخلافة الإسلامية بمعايير صارمة تحارب كل من يخالفها من الحكومات إلى الشعوب، ومن الجماعات إلى الأفراد، وقد أعلن قبل وفاته بفترة وجيزة عزمه على إعلان إمارة إسلامية على غرار نموذج "طالبان" في العراق.

الزرقاوي كان مجرماً ظاهراً ومدمن قتال معلناً، وكان يعمل ضمن أجندة معلنة ومشهرة ولذلك فهو على كل بلائه خير من الرابضين كالجمر تحت الرماد، المتلونين كحرباء، المتناقضين حتى النخاع.

مضى الزرقاوي بما عليه وما عليه، فلا أحسب أن له شيئاً لدى أحد، ولكن الزرقاوي كان نتيجة طبيعية لعوامل متشابكة ذات جذور ضاربة في المشهد الديني العربي والإسلامي، تفشت في التعليم والإعلام والمساجد والمدارس والمراكز الصيفية والجمعيات الخيرية وغيرها، وما لم يتدارك العقلاء والمسؤولون هذه الجذور بالإصلاح والتعديل فإن شجرة الإرهاب الخبيثة ستثمر كل يوم زرقاوياً جديداً، عندها يندم الجميع ولات ساعة مندم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-12-6-2006