مقالات و محاضرات

 

 

كيف تستفيد واشنطن من مقتل الزرقاوي؟

 

هوارد لافرانتشي

 

قد لا يكون مقتل "أبو مصعب الزرقاوي"، زعيم تنظيم "القاعدة" في العراق كفيلاً لوحده بإنهاء حالة العنف المستشرية في بلاد الرافدين، كما لم يكن القبض على صدام حسين، أو مقتل نجليه قصي وعدي في عمليتين أميركيتين سابقتين كفيلاً بوضع حد للتمرد، رغم أن كثيرين هللوا لهما واعتبروهما منعطفين حاسمين لتغيير أوضاع العراق وفرض الاستقرار فوق أراضيه.

ومع ذلك يشكل مصرع الزرقاوي المحرض الأول على العنف الطائفي في العراق أثناء عملية عسكرية دقيقة يوم الأربعاء الماضي خبراً ساراً بالنسبة لإدارة بوش في وقت هي في أمسِّ الحاجة فيه إلى ما يثلج الصدر في صراع شهد تدهوراً خطيراً خلال الشهور الأخيرة. أما إلى أي مدى ستنجح الولايات المتحدة في الاستفادة من هذا النصر التكتيكي والسيكولوجي معا فذلك متروك للنقاشات التي ستجري في كمب ديفيد بين الرئيس بوش وفريق الأمن القومي في لقاء سيدوم يومين. ولابد أن يلتفت المجتمعون أثناء هذا اللقاء المهم إلى قضية جوهرية تتمثل في دور الشعب العراقي في القضاء على الزرقاوي من خلال تحديده للمنزل الذي كان يتواجد فيه زعيم "القاعدة" في محافظة ديالى، وبالتالي مدى انخراطه في بناء عراق جديد.

وفي هذا السياق يؤكد "بول هيوز"، العقيد في الجيش الأميركي الذي عين ضمن جهود إعادة إعمار العراق قائلاً: "علينا أن نجد سبلاً تجعل العراقيين يُقبلون على المشاركة في بناء بلدهم"، مضيفاً أنه "عندما يصبح العراقيون مستعدين للمخاطرة من أجل وطنهم فإننا نكون قد حققنا تقدماً كبيراً". ومن المتوقع أن يتضافر خبر مقتل الزرقاوي مع إعلان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يوم الخميس الماضي استكمال تشكيل الحكومة العراقية بتعيينه وزيري الدفاع والداخلية المهمين، فضلاً عن تسميته وزيراً للشؤون الأمنية لتعزيز نبرة التفاؤل على اجتماع بوش مع مسؤولي الأمن القومي في مناقشات كمب ديفيد. ويبقى أهم ما تشير إليه العملية الأخيرة هو مدى ارتهان التقدم في العراق بالحكومة العراقية نفسها، حيث الدليل الأبرز على ذلك هو قرار البيت الأبيض القاضي بمتابعة مناقشات كمب ديفيد باجتماع آخر يجمع رئيس الوزراء نوري المالكي وأعضاء حكومته مع الرئيس بوش عبر تقنية الدوائر التليفزيونية المغلقة يوم الخميس المقبل.

أما "أنتوني كوردسمان"، وهو محلل بارز متخصص في الشؤون العراقية بـ"مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية" في واشنطن، فيرى أن النجاح في بلاد الرافدين يعتمد على العمليات التي تقوم بها الحكومة العراقية والمهام التي تضطلع بها والتي تستدعي لإنجاحها المؤازرة الأميركية، وأن بناء هذه الشراكة هو الخطوة الأهم في المرحلة الراهنة. وحسب "كوردسمان"، تكمن المسألة الأساسية التي تفرض نفسها بعد مقتل الزرقاوي في مدى قدرة الحكومة العراقية بمساعدة الولايات المتحدة على استغلال الحدث الكبير والاستفادة مما يسميه بـ"النصر السياسي والدعائي الهائل". ولتعظيم الاستفادة من هذا النصر وتوظيفه لتحقيق المزيد من التقدم في العراق يقترح "كوردسمان" مجموعة من النقاط يجملها في الآتي :

- استغلال مصرع الزرقاوي كفرصة جديدة للانفتاح على المواطنين العراقيين الذين كان الزرقاوي يسعى إلى الزج بهم في أتون حرب طائفية ضد الشيعة.

- مضاعفة الجهود لتطهير وزارة الداخلية وقوات الشرطة من العناصر التي نجحت في اختراقها وارتكبت جرائم باسمها.

- فتح تحقيق من قبل الحكومة العراقية بشأن الانتهاكات الخطيرة التي تورطت فيها القوات الأميركية ضد المدنيين العراقيين قصد بناء الثقة بين البلدين.

ومع ذلك ينبه "كوردسمان" إلى العراقيل الكثيرة التي مازالت تعيق نجاح المشروع الأميركي في بلاد الرافدين، لاسيما تلك الصورة التي ترسَّخت في أذهان المراقبين من أن التواجد الأميركي في العراق ليس سوى مضيعة للوقت والجهد يعكس انعدام التخطيط المحكم وتضييع الفرص. ويركز "كوردسمان" تحديداً على التحديات التي تواجه السفير الأميركي في العراق زلماي خليلزاد، خاصة فيما يتعلق بانخفاض الموارد المالية المخصصة للعراق في وقت يحتاج فيه البلد إلى المزيد منها. وفي هذا الإطار يقول "كوردسمان": "يتعين على خليلزاد أن يضغط أكثر في اتجاه الحصول على موارد مالية إضافية، وتأمين تدريب أفضل للقوات العراقية، فضلاً عن تأهيل صناعة النفط". ورغم اختفاء الزرقاوي عن الساحة العراقية يحذر المراقبون من أن مقتل شخصية بارزة في التمرد العراقي قد يؤجج لهيبها أكثر في المقبل من الأيام ويعطيها زخماً إضافياً.

وحتى لا تنجرف الولايات المتحدة وراء التصريحات المتفائلة وتركن للطمأنينة عليها أن تدرك أن التمرد العراقي متعدد وليس تنظيماً واحداً يتم اختزاله في تنظيم "القاعدة"، بل هناك العديد من الفصائل الصغيرة التي تواجه القوات الأميركية وتسعى إلى هزيمتها. وفي هذا السياق يقول "باتريك لانج" وهو محلل سابق في وكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع: "قد يكون مصرع الزرقاوي ضربة قاصمة للمجموعة التي كان يقودها، لكنني لا أرى كيف يمكنها أن تحد من شهية باقي المجموعات في تنفيذ عملياتها". يُذكر أن الزرقاوي طيلة سنوات صراعه مع الولايات المتحدة على الساحة العراقية كان يستخدم ببراعة وسائل الاتصال المتطورة، لاسيما الإنترنت التي وظفها لبث دعايته. ولا يستبعد المراقبون أن يكون آخر شريط فيديو ظهر فيه الزرقاوي سبباً في تحديد موقعه وتوجيه الصواريخ إلى مقر إقامته.

ورغم تفاؤل بعض المحللين إزاء مقتل الزرقاوي واعتبار الحدث انتصاراً مؤزراً سيستميل عقول العراقيين وقلوبهم، فإن "باتريك لانج" يعتقد أن الحدث ليس سوى جزء من صيرورة طويلة لم تتضح نهايتها بعد.

محلل سياسي ومحرر الشؤون الخارجية في "كريستيان ساينس مونيتور"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: ICAWS- ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور-12-6-2006